نحن والذكاء الاصطناعي: كيف نتعامل معه دون أن نفقد أخلاقيات المعرفة؟
د. لينا جزراوي
10-01-2026 11:08 AM
لم يعد من الممكن تجاهل الحضور المتسارع للذكاء الاصطناعي ومنصاته المختلفة في تفاصيل حياتنا اليومية. وكما جرت العادة، نحن شعوب مستهلكة؛ نتلقى ما يُخترع ونبدأ باستخدامه، دون أن نمتلك بالضرورة ثقافة واعية لاستخدامه. ليس لأننا عاجزون، بل لأننا لم نكن جزءًا من عملية ابتكاره.
نستورد سيارة متطورة كـ«مرسيدس»، فنقودها ونستفيد من مزاياها، لكننا لا نملك المعرفة التي تؤهلنا لصناعتها، ولا نفهم بالضرورة كل ما تحمله من تقنيات ومفاتيح. هذا ما يمكن تسميته بـ«ثقافة السلعة»؛ الاستخدام دون الإحاطة المعرفية. غير أن التحدي اليوم أشد خطورة، لأننا لا نتعامل مع آلة تنقلنا من مكان إلى آخر، بل مع أدوات معرفية قادرة على التأثير المباشر في عقولنا وقدراتنا الذهنية.
إن التعامل غير الواعي مع منصات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إضعاف حقيقي في قدرات التفكير والتحليل، وقد يصل الأمر إلى نوع من الشلل العقلي. وقد بدأنا نلمس ذلك بوضوح في المؤسسات التعليمية، حيث يعتمد عدد متزايد من الطلاب على هذه المنصات لإعداد الأبحاث والتقارير، دون قراءة حقيقية أو فهم عميق للمحتوى. وغالبًا ما يكون اكتشاف ذلك أمرًا يسيرًا.
من هنا، لا ينطلق النقد من موقف رافض لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بل على العكس، من إيمان بأهميته وإمكاناته الهائلة. الإشكال ليس في الأداة، بل في طريقة استخدامها. المطلوب هو التعامل معها بوعي، وإرشاد الطلاب إلى كيفية توظيفها بشكل صحيح، بحيث تكون وسيلة داعمة للتفكير لا بديلًا عنه.
فالإنسان هو المبدع في جوهره، والذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة تساعده على تطوير هذا الإبداع، لا مصادرته. ولهذا، نحن اليوم أمام حاجة ملحّة إلى استحداث مواد تعليمية في مناهجنا، تُواكب هذا التطور الخطير في أدوات المعرفة، وتدرّب الطلاب على استخدام منصات الذكاء الاصطناعي ضمن إطار واضح من أخلاقيات البحث العلمي.
إن الحفاظ على ما تبقى من قدرات البحث والتحليل لدى طلابنا لم يعد ترفًا فكريًا، بل مسؤولية تربوية وأخلاقية. فإذا كنا حريصين على مستقبل المعرفة، فلا بد أن نعلّم أبناءنا كيف يفكرون مع الذكاء الاصطناعي، لا أن يفكر هو بدلًا عنهم
* رئيسة الجمعية الفلسفية الأردنية