facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مصيدة غزة


د. محمود الشغنوبي
19-01-2026 11:30 AM

في السياسة، لا تُنصب المصائد بالأسلاك الشائكة وحدها، بل بالكلمات الناعمة، وبالاقتراحات التي تبدو عقلانية، وبالمجالس التي تُقدَّم بوصفها حلولًا، بينما تُخفي في بنيتها إعادة تعريف كاملة للمشكلة. من هنا، لا يمكن قراءة الطلب الأمريكي بانضمام الأردن إلى مجلس يُفترض أن يُعنى بغزة، إلا بوصفه جزءًا من فخّ سياسي محكم، لا يستهدف غزة وحدها، بل يمتد ليطال الدور والوظيفة والمعنى.

غزة، في الخطاب الأمريكي المعاصر، لم تعد أرضًا محتلة تُرتكب فيها جريمة متواصلة، بل تحوّلت إلى “أزمة إنسانية” تحتاج إدارة، وإلى “ملف” يتطلب إشرافًا دوليًا، وإلى عبء يجب تنظيمه لا إنهاؤه. هذا التحوّل ليس بريئًا ولا لغويًا فحسب، بل هو انتقال مدروس من سؤال الحق إلى سؤال الكلفة، ومن منطق العدالة إلى منطق الحوكمة، ومن السياسة إلى الإدارة.

ضمن هذا الإطار، يظهر “المجلس” المقترح بوصفه الأداة المثالية: لا يُسمّي الاحتلال، ولا يُحمّله المسؤولية، ولا يضع إسرائيل في موقع المساءلة، بل يتعامل مع غزة ككيان منفصل عن سياقه الفلسطيني، يحتاج ترتيبات مؤقتة قد تطول، وإشرافًا أمنيًا يُقدَّم على أنه ضمان للاستقرار. غير أن هذا المجلس، كي يمرّ عربيًا ودوليًا، يحتاج إلى غطاء أخلاقي وشرعي، وإلى حضور دولة عربية قادرة على تلطيف صورته. هنا تحديدًا يُستدعى الأردن.

الأردن ليس خيارًا عابرًا في هذه الصيغة. فهو الدولة الأقرب جغرافيًا وسياسيًا واجتماعيًا إلى فلسطين دون أن يكون طرفًا مباشرًا في المواجهة، والأكثر تماسًا مع تداعيات القضية دون أن يمتلك أدوات فرض الحل. ومن وجهة النظر الأمريكية، يشكّل الأردن الشريك “المثالي”: دولة مستقرة، ذات علاقات متوازنة، ويمكن أن تضفي على المجلس شرعية عربية تُخفّف من فجور الانحياز الأمريكي.

لكن ما يُغفَل عمدًا في هذا الطرح هو أن غزة، قانونيًا، ليست ملفًا إداريًا مفتوحًا، ولا مساحة متروكة للتجريب السياسي. فهي، وفق قرارات الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف الرابعة، أرض محتلة بكل المعايير القانونية، حتى بعد الانسحاب الشكلي عام 2005. فمعيار الاحتلال في القانون الدولي لا يقوم على الوجود العسكري المباشر وحده، بل على السيطرة الفعلية، وهو ما يجعل إسرائيل قوة احتلال تتحمّل كامل المسؤولية القانونية عن السكان المدنيين في غزة، وعن حمايتهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية.

وانطلاقًا من ذلك، فإن أي محاولة لإنشاء مجلس لإدارة غزة، أو الإشراف على شؤونها، دون إنهاء الاحتلال أو الاعتراف الصريح بمسؤوليته، تمثّل خرقًا واضحًا للقانون الدولي، ومحاولة مكشوفة لنقل أعباء الجريمة من الجاني إلى أطراف أخرى. فالقانون الدولي لا يجيز لقوة الاحتلال أن تتنصّل من التزاماتها عبر تفويض إداري، ولا يعترف بالإدارة البديلة بوصفها حلًا مشروعًا، مهما غُلّفت بشعارات إنسانية.

الأخطر من ذلك أن أي صيغة وصاية تُفرض على غزة من خارج الإرادة الفلسطينية، تشكّل انتهاكًا مباشرًا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو مبدأ مُلزِم قانونيًا، لا شعارًا سياسيًا قابلًا للتأويل. فالمجالس الانتقالية، والأطر الإشرافية، حين تُنشأ دون موافقة ممثل شرعي للشعب الفلسطيني، لا تُنقذ غزة، بل تفصلها عن قضيتها، وتُحوّلها إلى مساحة مُدارة بدل أن تكون أرضًا محتلة يُفترض العمل على تحريرها.

وفي هذا السياق، قد يكون أكثر ما يلفت في الطرح الأمريكي أنه يفترض، عن وعي أو عن جهل، أن الأردن دولة يمكن استدعاؤها لتجميل المشاريع الملتبسة، لا دولة لها تقاليد راسخة في قراءة المخاطر ورفض الانزلاق الأخلاقي. وهو افتراض يكشف خللًا عميقًا في فهم طبيعة الدور الأردني، ويعكس عقلية ما زالت ترى المنطقة بأعين الصفقات لا بأعين التاريخ. فالأردن، الذي خبر ألغام السياسة الإقليمية لعقود، لم يكن يومًا ساحة اختبار، ولا ملحقًا إداريًا لخطط الآخرين، بل مدرسة في ضبط التوازن بين الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي، وبين الصبر الاستراتيجي ووضوح الخط الأحمر. ومن يظن أن هذه الدولة يمكن أن تُستدرج لمنح شرعية لواقع غير مشروع، إنما يسيء قراءة الأردن، ويُفرط في الثقة بقدرة الأدوات الناعمة على تمرير ما فشلت فيه القوة الصلبة.

هنا تتجلّى خطورة مشاركة أطراف عربية في مثل هذه الأطر، مهما كانت نواياها حسنة. فهذه المشاركة قد تُستخدم لاحقًا كدليل على “القبول الإقليمي”، وكغطاء قانوني زائف لمشروع يفتقر منذ البداية إلى أي أساس شرعي. وفي السياسة الدولية، نادرًا ما يُحاسَب من صاغ الفكرة، وغالبًا ما يُحاسَب من منحها الغطاء.

أما غزة نفسها، فهي الخاسر الأكبر في هذا المسار. إذ يُعاد تعريف معاناتها بوصفها شأنًا إنسانيًا منفصلًا عن جذوره السياسية، وتُنزَع عنها صفتها كقضية تحرر وطني، وتُختزل في أرقام المساعدات وخطط الإعمار. وهكذا، تُحاصر مرة أخرى، لكن هذه المرة باسم التنظيم لا الحصار، وباسم الاستقرار لا القوة.

إدارة ترامب، التي لم تُخفِ يومًا نظرتها الصفقاتية للصراعات، تحاول استكمال ما بدأته سابقًا: تفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات جزئية قابلة للإدارة، تبدأ بغزة، ولا تنتهي عندها. وفي هذا التفكيك، لا يُطلب من الأردن أن يكون صانع قرار، بل حامل عبء، ولا يُعرض عليه دور سياسي حقيقي، بل وظيفة تُقدَّم كمسؤولية أخلاقية.

وهنا تبرز أهمية الدور الأردني، لا بوصفه عنصرًا تكميليًا في مشروع ملتبس، بل كدولة قادرة على كسر منطق المصيدة. فالأردن، بحكم موقعه وتاريخه وتشابك مصالحه مع القضية الفلسطينية، ليس معنيًا بإدارة نتائج الاحتلال، بل بدعم إنهائه، وليس مطالبًا بتجميل الأطر الملتبسة، بل بتثبيت المرجعيات القانونية والسياسية التي تحمي الحقوق ولا تلتف عليها.

إن أخطر ما قد يُفرض على الأردن ليس المشاركة بحد ذاتها، بل الصمت عن حقيقة ما يُراد له أن يكون. فبين دور يمنح الشرعية، ودور يحميها، مسافة سياسية وأخلاقية لا يجوز طمسها. وغزة، التي دفعت أثمانًا تفوق الوصف، لا تحتمل مجلسًا جديدًا بقدر ما تحتاج موقفًا واضحًا يقول إن الاحتلال لا يُدار، بل يُنهى.

تلك هي مصيدة غزة: أن يبدو الفخ إنسانيًا، وأن يُطلب من الأقرب إلى الجرح أن يمنح الشرعية لإدارة الألم، لا لإنهائه.

وسلامتكم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :