facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصندوق الأسود (30) .. الخدمات الحكومية الامتحان الصامت للعدالة


د. كفاية عبدالله
19-01-2026 11:38 AM

لا تُقاس انجازات الحكومات بما تعلنه من استراتيجيات ولا بما تصوغه من تشريعات – رغم أهميتها – بل بما يختبره المواطن في لحظة طلب الخدمة. هناك، حيث تتجرد المؤسسات من لغتها الرسمية، وتختفي العناوين الكبيرة، وتبقى التجربة وحدها شاهدة. خطوة غير مفهومة، إجراء مُنهك، نظام لا يرى الفروقات، أو موظف يكتفي بالتنفيذ دون شرح… تفاصيل صغيرة، لكنها كافية لأن تُعيد تعريف علاقة كاملة بين المواطن والحكومة، ويُعاد من خلالها تشكيل العقد الاجتماعي دون ضجيج، وتُبنى الثقة أو تتآكل بلا بيان.

عدالة الخدمات الحكومية ليست فكرة مثالية تُناقش في المؤتمرات، ولا قيمة أخلاقية تُدرج في مقدمات الوثائق، بل ممارسة يومية تتسلل إلى الوعي الجمعي بصمت. فحين يشعر المواطن أن الخدمة لا تشبهه، ولا تُراعي واقعه، ولا تفهم ظروفه، يبدأ التآكل البطيء للثقة، حتى وإن كانت الخدمة “متاحة للجميع” على الورق. فالإتاحة الشكلية لا تعني إنصافًا، والحياد الإجرائي لا يكفل عدالة في الأثر.

كثيرًا ما أُسيء فهم العدالة بوصفها مساواة في المعاملة، وكأن الإنصاف يتحقق بمجرد توحيد الإجراءات. غير أن التجربة تقول شيئًا آخر: معاملة الجميع بالطريقة نفسها قد تكون أكثر أشكال الظلم تهذيبًا. فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بتساوي المدخلات، بل بتكافؤ النتائج، ولا تُختبر بعدد المعاملات المنجزة، بل بعدد من لم يتمكنوا أصلًا من الوصول. هناك مسافة شاسعة بين إجراء واضح في دليل، وإجراء مفهوم وقابل للتطبيق في حياة إنسان مثقل بالوقت، أو المرض، أو الجغرافيا، أو محدودية المعرفة.

وما يغيب غالبًا عن نقاشات العدالة، أن الإحساس بالإنصاف لا يتشكل فقط من القرار ذاته، بل من الطريقة التي يُقدَّم بها هذا القرار. فقد يتقبل المواطن نتيجة لا تلبي حاجته، إذا شعر أن صوته سُمِع، وأن سؤاله قوبل باحترام، وأن الشرح كان صادقًا وواضحًا. وفي المقابل، قد يتحول إجراء عادل في جوهره إلى تجربة قاسية، إذا قُدِّم ببرود، أو بتعالٍ، أو بصمت لا يفسر شيئًا. هنا، لا تكون المشكلة في الخدمة نفسها، بل في أسلوب التفاعل الذي يفرغ العدالة من بعدها الإنساني، ويحوّلها إلى ممارسة جافة لا تُقنع ولا تُطمئن.

وغالبًا، لا تولد اللاعدالة من قرار متعمد، بل من تصميم غافل، ومن تواصل ناقص. خدمة رقمية تُفترض فيها مهارات لا يملكها الجميع، نموذج بلغة واحدة في مجتمع متعدد، مركز خدمة بعيد عن الأطراف، أو آلية تظلّم معقدة لا يملك المواطن طاقتها النفسية قبل الإجرائية. ومع ذلك، فإن كلمة تُقال بإنصات، أو شرحًا يُمنح بصبر، أو اعترافًا ضمنيًا بكرامة الإنسان، قد يخفف من وطأة الإجراء، ويمنح المواطن شعورًا بأن المؤسسة – وإن لم تستطع تلبية طلبه – لم تتخلَّ عن إنسانيته.

وحين يُختزل المواطن إلى “عميل”، تُختزل العدالة إلى مستوى الرضا اللحظي، وتتحول الخدمة إلى صفقة. غير أن الخدمة العامة لا تُدار بمنطق السوق وحده، ولا تُقاس بمنطق العرض والطلب. المواطن ليس زبونًا عابرًا، بل حامل حق، وشريك في القيمة، ومصدر للشرعية. وحين يُعاد تعريفه على هذا الأساس، تتغير فلسفة الخدمة من جذورها: فلا تعود السرعة غاية بذاتها، ولا الكفاءة هدفًا معزولًا، بل يصبح الإنصاف، والكرامة، وجودة التجربة – بما في ذلك جودة التفاعل الإنساني – جزءًا أصيلًا من معنى النجاح.

أما الشمول، فلا ينبغي أن يُفهم بوصفه استجابة ظرفية لفئة بعينها، ولا إضافة لاحقة على نموذج مكتمل، بل كمنظور تصميمي يبدأ من الاعتراف بأن المجتمع متنوع بطبيعته، وأن “المستخدم النموذجي” وهمٌ إداري مكلف. الشمول الحقيقي يعني أن تُصمَّم الخدمة منذ البداية وهي تفترض الاختلاف، وتحتضنه، وتتكيف معه، لا أن تحاول ترقيعه لاحقًا بإجراءات استثنائية. وحين يكون الشمول مستدامًا، لا يعود الإقصاء احتمالًا قائمًا، لأنه يُستبعد من البنية ذاتها، ومن ثقافة التعامل، ومن لغة الخطاب قبل أن يُستبعد من النصوص.

والتحول الحقيقي في الخدمات الحكومية لا يبدأ من رقمنة الخطوات، ولا من اختصار الزمن فقط، بل من إعادة تعريف الغاية. من نقل مركز الثقل من الكم إلى الأثر، ومن الامتثال إلى التمكين، ومن النظام إلى الإنسان. فالمؤسسة العادلة ليست تلك التي تُنجز أكثر، بل تلك التي تُنصف أكثر، وليست التي تُعامل الجميع بالطريقة نفسها، بل التي تفهم الفروق، وتُحسن الشرح، وتُجيد الإصغاء، وتستجيب دون وصم أو تمييز.

وفي الصندوق الأسود للخدمات الحكومية، لا يُختبر النجاح في عدد ما أُنجز، بل في أثر ما قيل وما لم يُقل.

هل شعر المواطن أن الحكومة كانت حاضرة؟
أم أن الخدمة عبرت… وتركته خارج المعنى؟

(Kifaya2020@gmail.com)





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :