خدمة الإدارة .. لا الإتكاء عليها
محمد بلقر
19-01-2026 11:53 AM
الإدارة ليست مقعداً للإنتفاع، ولا طريقاً مختصراً لتضخيم الذات، بل تكليف ثقيل يٌختبر فيه الضمير قبل الكفاءة، وتقاس فيه القيم قبل النتائج، من يدخل الإدارة باحثاً عما يأخذه منها، سيغادرها وقد أخذ معها الكثير من روحها، أما من يدخلها بِنية القيام بالواجب، فيغادر وقد ترك أثراً لا يُمحى.
خدمة الإدارة تعني أن تكون القرارات امتداداً للمصلحة العامة لا ظلاً للمصلحة الشخصية، وأن يكون الموقع أداة عمل لا أداة نفوذ، فالإدارة التي تستغل تتحول الى عبء، وتفقد إحترام الناس قبل أن تفقد قدرتها على الإنجاز، بينما الإدارة التي تُدار بضمير تنمو بهدوء، وتؤسس لثقة لا تَهتز مع أول إختبار.
الإستفادة الشخصية من الإدارة قد تمنح صاحبها مكاسب عابرة، لكنها تزرع في جسد المؤسسة ثقوباً خفية، تبدأ بالتغاضي، ثم التبرير، وتنتهي بطبيعتها الخطأ حتى يصبح جزءاً من المشهد، وحينها لا يعود الخلل إستثناء ، بل قاعدة تُدار بها الأمور، أما خدمة الإدارة فهي شجاعة الوقوف عند الخط الفاصل بين المسؤولية والراحة، بين الواجب والمجاملة، وهي القدرة على قول "لا" عندما تتقدم المسؤولية على المجاملة.
في إدارة لا تتكىء على المنصب بل تحملها، يكافأ الصدق ولو كان مراً، وتُصحح الأخطاء قبل أن تتكاثر، ويُحترم المال العام لانه أمانة لا غنيمة، هناك تقاس النجاحات بما أنجز لذوو الشأن، لا بما أضيف إلى السيرة الذاتية، وتُصان مكانة العمل لإن الإنسان هو الغاية لا الوسيلة.
خدمة الإدارة ليست خطاباً مثالياً، بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط التفاصيل: إمضاء إداري، قرار مهني مسؤول، باب مفتوح، وضمير حاضر، وحين تخدم الإدارة ، تخدم بدورها الوطن والمجتمع، وتبقى بعد رحيل الأسماء. أما الإدارة التي تُستغل، فسرعان ما تسقط، لإن ما بُني على المنفعة لا يصمد أمام الحقيقة.
ومن أعظم مظاهر الوفاء لموقع العمل أن تقدم الخدمة بإخلاص، فالذي يحمل المسؤولية بروح محبة لما يعمل به، ويؤدي واجبه بعيداً عن المصلحة الشخصية، هو من يزرع الإستقرار ويحمي الثقة. الإخلاص في العمل ليس مجرد أداء للواجب، بل هو تعبير حي عن حب الوطن ومكان العمل، وتجديد للقيم التي تجعل من الموقع وسيلة للعطاء لا للأنا. كل قرار يُتخذ بضمير، وكل جهد يبذل بصدق ، وكل لحظة تَمر في العمل بإتقان ، هي رسالة صامت تقول: "أنا هنا لادعم، لا لاستغل، لأبني لا لأهدم، لأحمي لا لأتجاوز".
في النهاية، الإدارة إمتحان أخلاقي قبل أن تكون دور وظيفي، إما أن نكون خُداماً لها فترتقي بنا، أو مستفيدين منها فتسقط بنا. والفرق بين الطريقين .. ضمير.