كما في ولايته الأولى، ينهي دونالد ترامب عامه الأول في البيت الأبيض لا بوصفه رئيسًا عابرًا في نظام ديمقراطي، بل كاختبار قاسٍ لصبر العالم. المشهد اليوم واضح حدّ الفجاجة، الجميع، تقريبًا بلا استثناء، يحاول كسب الوقت. لا أحد يريد صدامًا مباشرًا، لا أحد يراهن على تسوية كبرى، ولا أحد يتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها فرصة سياسية، بل باعتبارها فترة يجب اجتيازها بأقل الخسائر الممكنة.
المنطقة العربية تعرف ترامب جيدًا. خبرته ليست في بناء الاستقرار، بل في تفكيك التوازنات. لا يؤمن بالحلول الطويلة، ولا بالمسارات المتدرجة، ولا بالضمانات. يؤمن بالضغط، بالمفاجأة، وبمنطق الصفقة السريعة التي تُبرم اليوم وتُلغى غدًا. لذلك اختارت العواصم العربية، كما غيرها، سياسة النفس الطويل، تهدئة الخطاب، تجميد الملفات، تفادي الاستفزاز، وتمديد أي مسار تفاوضي إلى أقصى حد ممكن، بانتظار أن تنتهي هذه المرحلة.
أوروبا تفعل الشيء نفسه، وإن بلغة أكثر دبلوماسية. الصين تُدير المواجهة بحسابات باردة وتُبقي الصدام تحت سقف مضبوط. روسيا تراقب وتستثمر في الفوضى بدل الدخول في مواجهة مفتوحة. أما الشرق الأوسط، فهو الأكثر حذرًا، لأنه يدرك أن أي اندفاعة غير محسوبة من ترامب قد تتحول إلى انفجار حقيقي على الأرض، لا إلى أزمة بيانات وتصريحات.
لكن هذا السلوك العالمي، القائم على الانتظار وكسب الوقت، يقوم على فرضية خطيرة، أن ترامب حالة استثنائية، وأن ما بعده سيكون مختلفًا، وربما أكثر عقلانية واستقرارًا. هنا تحديدًا تكمن المشكلة.
العالم لا ينتظر نهاية ولاية ترامب، بل يراهن ضمنيًا على عودة أميركا التي عرفها سابقًا. غير أن المؤشرات العميقة داخل المجتمع الأميركي لا تدعم هذا الرهان. ترامب لم يهبط على السياسة الأميركية من فراغ، ولم يكن حادثًا طارئًا في تاريخها. هو نتاج تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة، غضب طبقات، تآكل الثقة بالمؤسسات، انقسام حاد حول الهوية والدور العالمي، ونزعة متصاعدة للانكفاء إلى الداخل.
حتى لو جاء بعد ثلاث سنوات رئيس مختلف في الشكل والخطاب، فإن الجوهر لن يكون كما كان. أميركا ما بعد ترامب، أو حتى بعد "الترامبية"، ستكون أكثر حذرًا، أقل التزامًا، وأكثر براغماتية خشنة في تعاملها مع العالم. فكرة القيادة الأخلاقية، أو الاستثمار طويل الأمد في الاستقرار العالمي، لم تعد أولوية داخل المزاج الأميركي العام.
هنا يصبح سؤال المنطقة العربية أكثر إلحاحًا، ماذا لو لم يكن كسب الوقت استراتيجية كافية؟ ماذا لو اكتشفت العواصم، بعد انتهاء هذه المرحلة، أن المشكلة لم تكن في ترامب وحده، بل في أميركا التي تغيّر موقعها ودورها ونظرتها للعالم؟
الخطورة ليست في أربع سنوات من ترامب، بل في سياسة الانتظار ذاتها. الانتظار يفترض أن الزمن يعمل لصالحنا، وأن العودة إلى ما قبل ترامب ممكنة. لكن التاريخ لا يعود إلى الوراء، والتحولات الكبرى لا تتراجع بمجرد تغيير الأشخاص.
العالم اليوم لا يواجه ترامب بقدر ما يتهرب من مواجهة حقيقة أوسع وهي أن النظام الدولي يتغير، وأن الدور الأميركي يعاد تعريفه، وأن الاعتماد على "ما بعد ترامب" كحل سياسي هو رهان هش. قد تنتهي ولاية الرجل، لكن الأسئلة التي فجّرها ستبقى مفتوحة، وربما أكثر حدّة.
كسب الوقت قد يجنّب الصدام اليوم، لكنه لا يبني موقعًا للغد. ومن يكتفي بالانتظار، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام عالم تغيّر فعليًا، فيما هو لا يزال عالقًا في حسابات مرحلة ظنها عابرة ولم تكن كذلك.