facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يغادر المنصب وتبقى الهيبة: عون الخصاونة نموذجًا


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
19-01-2026 03:34 PM

في كل مناسبة اجتماعية، يلفت النظر مشهدٌ لا يمكن المرور عليه مرور الكرام؛ إذ يتقدّم عدد كبير من الحضور لمصافحة دولة عون الخصاونة (أبو علي)، رغم أن الرجل غادر موقعه الرسمي منذ ما يقارب عقدًا ونصف العقد.

هذا المشهد، وإن بدا في ظاهره مألوفًا، إلا أن تكراره وكثافته يحملان دلالات عميقة تتجاوز المجاملة الاجتماعية، وتفتح باب التأمل في معنى المنصب، والهيبة، واحترام الناس، وصدق الحضور في الوعي العام.

ليس من الغريب أن يُصافَح مسؤول سابق في مناسبة عامة، لكن اللافت حقًا أن يستمر هذا الحضور الطاغي بعد سنوات طويلة من مغادرة الموقع، دون أن يكون الرجل متصدّرًا للمشهد الإعلامي، أو متكئًا على خطاب شعبوي، أو ساعيًا إلى استعادة دورٍ سياسي. هنا تحديدًا تتجلّى القيمة؛ قيمة رجلٍ صنع مكانته بالفعل لا بالضجيج، وبالموقف لا بالخطابة.

لقد اعتاد الأردنيون، كما غيرهم من الشعوب، على نماذج لمسؤولين مرّوا على المناصب مرورًا ثقيلاً، ملؤوا الفضاء العام كلامًا وشعارات، ثم خرجوا وقد حصدوا لأنفسهم وحدهم “الإبل والغنائم”، فيما بقيت الدولة والمواطن يدفعان ثمن الأداء الضعيف أو الأناني. في مقابل ذلك، يبرز نموذج مغاير تمامًا: المسؤول الذي يغادر المنصب خفيف الظل، ثقيل القيمة.

عون الخصاونة، كما يعرفه من اقترب منه أو تابع مسيرته، ليس رجل استعراض ولا صاحب تصريحات رنّانة. يغلب عليه الصمت، والتواضع، والابتعاد عن الثرثرة، وكأنما آمن منذ وقت مبكر بأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان. وهذا الصمت لم يكن فراغًا، بل كان امتلاءً بالمعرفة، والالتزام، والضمير المهني، وهي صفات نادرة حين تجتمع في مسؤول عام.

إن احترام الناس لا يُفرض بالقانون، ولا يُكتسب بالمنصب، ولا يُورَّث باللقب، بل يُبنى عبر الزمن، من خلال السلوك اليومي، والقرارات، وطريقة التعاطي مع الشأن العام. من هنا يمكن فهم لماذا يندفع الحضور لمصافحة رجلٍ لم يعد في السلطة؛ لأنهم في الحقيقة لا يصافحون منصبًا سابقًا، بل سيرة نظيفة، وسمعة راسخة، وتجربة لم تتلوث.

وفي المشهد ذاته، تتجلّى مفارقة موجعة؛ إذ يغيب عن مثل هذه المناسبات، أو يحضر فيها ببرود، مسؤولون سابقون كانوا يومًا أصحاب قرار ونفوذ، لكنهم حين غادروا المنصب غادرتهم الهيبة. اكتشف هؤلاء متأخرين أن المنصب كان هو الذي يُسلّم عليهم، لا الناس، وأن الكرسي حين يُسحب، يُسحب معه كثير من “الاحترام المصطنع”.

تقدّم هذه المفارقة درسًا بالغ الأهمية، لا سيما للأجيال الجديدة من المسؤولين والطامحين للمواقع العامة:

أن المنصب اختبار أخلاقي قبل أن يكون امتيازًا سياسيًا، وأن التاريخ الاجتماعي لا يُكتب بالقرارات وحدها، بل بطريقة ممارسة السلطة، وبمدى الإخلاص للدولة لا للذات، وبالقدرة على المغادرة بنفس نظافة الدخول.

كما تكشف هذه الظاهرة عن وعيٍ جمعي لدى الأردنيين، قد لا يُعبَّر عنه دائمًا بالكلام، لكنه يُترجم سلوكًا. فالناس قد تصمت طويلًا، لكنها لا تنسى؛ تحفظ أسماء من خدمها بصدق، كما تحفظ أسماء من أثقل عليها، وتُجيد التمييز بين من عمل للدولة، ومن عمل بالدولة.

وعون الخصاونة ليس اسمًا عابرًا في سجل الدولة، ولا صورةً مرتبطة بلحظة منصب، بل قيمة ثابتة في الوعي العام الأردني. قاضٍ دولي مرموق، ومرجع قانوني عالمي، ومستشار أمين، ورئيس ديوان المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، ورئيس وزراء في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله، لكنه قبل كل ذلك إنسان صاحب مبدأ لا يتغير بتغير المواقع.

ما يميّز عون الخصاونة أنه لم يكن يومًا من طلاب المناصب، ولم يسعَ إليها، ولم يتعامل معها كغاية أو غنيمة. جاءت إليه المواقع كما تأتي المسؤولية إلى من يستحقها. وحين لبّى نداء الوطن وتحمّل عبء رئاسة الوزراء، لم يدخلها من باب المكاسب، بل من باب التضحية، فكان – بشهادة كثيرين – من القلائل الذين ضحّوا بمواقعهم ومصالحهم حين تولّوا المنصب، لكنه في المقابل كسب ما هو أثمن: محبة الناس واحترامهم.

هو رجل دولة لم يبدّل جلده، ولم تغيّره الأضواء، ولم تُفسده السلطة. بقي ثابتًا حين تعلو الأصوات، واضحًا حين تختلط الحسابات، ومنحازًا لفكرة الدولة لا لفكرة الكرسي.

ولعل الصورة الأبلغ تعبيرًا عنه، تلك التي لا تُلتقط في القصور ولا في المؤتمرات الدولية، بل في الحقل؛ المزارع الذي يزرع القمح بيديه. صورة تختصر فلسفة رجل لم ينفصل يومًا عن الأرض ولا عن الناس، ورأى في البساطة شرفًا، وفي العمل قيمة، وفي الانتماء ممارسة يومية لا خطابًا موسميًا.

وإذا ذُكر عون الخصاونة، فمن العدل أن يُذكر معه جيل من رجالات الاردن الذين شكّلوا مدرسة في الاتزان وخدمة الدولة بصمت، أمثال وصفي التل وذوقان الهنداوي؛ وهزاع المجالي ومشهور حديثة الجازي ، وغيرهم من الرعيل الاول، شخصيات لم تُعرَف بالضجيج، بل بالأثر، ولم تُقِم وزنها على الكلام، بل على الموقف.

في زمن كثر فيه من مرّوا على المناصب وخرجوا بلا أثر، أو خرجوا وقد أثقلوا الدولة والناس، يبرز نموذج عون الخصاونة كتذكيرٍ ضروري بأن المناصب زائلة، أما القيم فباقية، وأن المسؤول الحقيقي هو من يغادر الموقع مرفوع الرأس، لا محاطًا بالأسئلة.

لهذا، فإن الاحترام الذي يحظى به عون الخصاونة اليوم ليس مجاملة اجتماعية، بل إجماع أخلاقي، ورسالة واضحة لكل من يتولى الشأن العام، أن الوطن لا يحتاج إلى من يربح منه، بل إلى من يربح به، ولا إلى من يطلب المنصب، بل إلى من يلبّي النداء حين يُطلب. وهنا، تحديدًا، نفهم لماذا كانت المصافحات كثيرة… ولماذا كانت دلالتها أكبر من مجرد مصافحة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :