اللجنة الوطنية لإدارة غزة: فرصة إنقاذ مؤقتة أم اختبار للكيانية الوطنية؟
جمال زقوت
19-01-2026 09:41 PM
صناعة الفراغ: فشل السلطة وحماس
في خضم واحدة من أكثر اللحظات قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، طُرحت فكرة تشكيل لجنة وطنية لإدارة قطاع غزة، لا بوصفها خيارًا سياسيًا مفضّلًا، بل باعتبارها محاولة اضطرارية للتعامل مع فراغ سياسي وإداري عميق فرضته الحرب وتداعياتها الإنسانية الكارثية. وهي في الوقت ذاته نتاج مباشر لعجز كلٍّ من السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس، ومعهما مجمل الحركة الوطنية، عن حسم الاستحقاق الوطني الأهم: تشكيل حكومة وفاق وطني موحدة، رغم الإجماع المعلن على ذلك في “إعلان بكين”.
من هنا، لا يمكن مقاربة فكرة اللجنة بمنطق الرفض المسبق ولا بمنطق التعويل المفرط، بل باعتبارها أداة انتقالية محتملة، يظل نجاحها مرهونًا بشروط واضحة، فيما يرتبط فشلها بانزلاقها خارج الإطار الوطني الجامع. فاللجنة لم تُطرح لأن الفلسطينيين اختاروا حلولًا مؤقتة، بل فرضت عليهم لأنهم أخفقوا، حتى اللحظة، في إنجاز الحل الجوهري المتمثل في حكومة وفاق تتحمل مسؤولياتها في غزة والضفة معًا.
جاءت الفكرة لأن كلًّا من السلطة وحماس فشل، لأسباب مختلفة، في الانتقال من إدارة الانقسام إلى إنهائه. فالسلطة بقيت أسيرة حسابات سياسية وأمنية، ولم تبادر إلى تقديم صيغة جامعة تستجيب لحجم الكارثة في غزة. في المقابل، لم تحسم حماس موقفها بصورة قاطعة أمام الوسطاء والرأي العام بما يفتح الطريق أمام حكومة وفاق حقيقية لا شكلية.
لجنة اضطرارية لا مشروعًا سياسيًا
تأتي اللجنة في سياق استثنائي بالغ القسوة، خلّفت فيه حرب تدميرية غير مسبوقة انهيارًا شبه كامل في البنية الإدارية والخدمية، وأنتجت فراغًا فعليًا في إدارة شؤون الناس. لذلك، لا يمكن النظر إليها بوصفها مشروعًا سياسيًا بديلًا أو حلًا نهائيًا، بل كترتيب مؤقت يُقاس نجاحه بقدرته على خدمة الناس، ومنع تكريس الانفصال، وتهيئة الأرضية لعودة المسار الوطني الجامع.
تكمن الفرصة الأولى أمام اللجنة في وظيفتها المباشرة: تنظيم الإغاثة، وإدارة الخدمات الأساسية، وضمان حدٍّ أدنى من انتظام الحياة اليومية. غير أن هذه المهمة الإنسانية لا تنفصل عن السياسة؛ إذ إن أي خلل في الشفافية أو العدالة أو الكفاءة كفيل بتحويل اللجنة من أداة تخفيف للمعاناة إلى عبء إضافي. لذلك، تصبح ثقة الناس والقوى الاجتماعية شرطًا تأسيسيًا لنجاحها، لا نتيجة لاحقة له.
خطر تحويل المؤقت إلى فصل دائم
لكن قدرة اللجنة على العمل لا تتحدد فقط ببنيتها الداخلية، بل أيضًا بالبيئة السياسية المحيطة بها. فإسرائيل تنظر إلى غزة باعتبارها ملفًا منفصلًا، وتسعى إلى إدارة واقعها بما يخدم هدف الفصل الدائم بينها وبين الضفة الغربية. والخطر هنا لا يكمن في قيام اللجنة بحد ذاته، بل في تحوّلها إلى إطار إداري طويل الأمد يُعيد إنتاج الانقسام تحت عنوان إنساني، أو في حشرها داخل صراع نفوذ بين حماس، الساعية إلى الهيمنة، والسلطة، الراغبة في فرضها كامتداد لحكومة غير توافقية. لذلك، فإن نجاح اللجنة يقتضي ربطها الصريح بالكيانية الفلسطينية الواحدة، وبسقف زمني واضح يمنع تثبيت الأمر الواقع.
مخاطر الإدارة والتمويل والفيتو الإسرائيلي
ويبرز هنا سؤال بالغ الحساسية يتعلق بالتعامل مع الهيكل الوظيفي القائم: موظفو إدارة حماس السابقة، وموظفو السلطة العاملون أو الموقوفون منذ سنوات الانقسام. هذا ليس سؤالًا تقنيًا فحسب، بل سياسي–اجتماعي بامتياز. فغزة تضم عشرات الآلاف من الموظفين الذين راكموا خبرة عملية في ظروف قاسية، ولا يمكن تجاوزهم أو إقصاؤهم من دون أثمان اجتماعية وإدارية فادحة.
الوظيفة: العدالة والمهنية الإدارية لا الولاء
المدخل الواقعي يتمثل في الفصل بين الوظيفة والخيار السياسي. فأي لجنة تسعى إلى النجاح مطالبة بالتعامل مع الكادر الوظيفي باعتباره موردًا إداريًا ينبغي تنظيمه، لا ساحة لتصفية الحسابات. ويمكن تصور صيغة انتقالية تقوم على الدمج المرحلي، والتكليف المهني، والتحييد النسبي للوظيفة العامة عن الاستقطاب، ريثما يُعاد توحيد المؤسسات ضمن إطار وطني شامل.
ويتصل بذلك سؤال التمويل ودفع الرواتب، وهو أحد أكثر الملفات حساسية. فاللجنة لا تملك سيادة مالية ولا موارد ذاتية، ما يجعلها رهينة للتمويل الخارجي أو لترتيبات مع السلطة. وهنا يصبح التمويل اختبارًا مزدوجًا للاستقلال النسبي وللشفافية. فربط الإنفاق بآليات واضحة وإشراف مهني يقلل من فرص التسييس ويعزز ثقة الموظفين والمجتمع.
في المقابل، يبرز خطر سعي إسرائيل لفرض “حق الفيتو” على البنية الإدارية، سواء عبر التحكم في حركة الأفراد أو التدخل في اختيار الموظفين، كما حدث في تجارب سابقة. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإنه سيقوّض جوهر الفكرة الوطنية للجنة. لذلك، يشكّل رفض تحوّلها إلى أداة انتقاء أمني شرطًا أساسيًا لنجاحها، رغم ضيق هامش المناورة.
المخاطر الوطنية ومعنى الكيانية
ولا يقل تعقيدًا ملف الإعمار. فالسؤال لا يقتصر على من يموّل، بل من يقرّر، ومن يشرف، وكيف تُحدَّد الأولويات. فإذا أُدير هذا الملف بمنطق تقني معزول عن المرجعية الوطنية، فإن خطر تحويل الإعمار إلى أداة لتطبيع الفصل سيبقى قائمًا. أما إذا أُخضع لإطار وطني شفاف يربط بين الإغاثة وإعادة بناء المؤسسات، فيمكن أن يتحول إلى رافعة سياسية–اجتماعية.
أما الموقف الدولي، فهو محكوم بتوازنات دقيقة. فالولايات المتحدة تُظهر براغماتية في دعم أي ترتيب يحقق “الاستقرار”، من دون استعداد فعلي للانخراط في مسار يعيد الاعتبار لوحدة الكيانية الفلسطينية أو يفتح أفق تقرير المصير. في المقابل، يمكن للأوروبيين ولعدد من الدول العربية الفاعلة، ولا سيما السعودية ومعها مصر وقطر وتركيا، أن يلعبوا دورًا مهمًا في ضمان عدم فصل غزة، عبر الضغط باتجاه ترتيبات مؤقتة مرتبطة بمسار وطني شامل، لا بإدارة إنسانية معزولة.
من هنا، تبرز أهمية التأكيد على أن اللجنة مؤقتة ومحددة المدة، وأن وجودها يجب أن يتزامن مع مسار وطني موازٍ يعيد الكرة إلى الملعب الفلسطيني. والمسار المطلوب هو ضغط شعبي منظم لتوليد إرادة سياسية حقيقية تُفضي إلى تشكيل حكومة وفاق وطني موحدة في أقرب وقت، تتولى مسؤولياتها في غزة والضفة معًا، وتستعيد وحدة القرار والمؤسسات.
وفي الخلاصة، لا يجوز أن يُترك أهل غزة أسرى شعور الخذلان الذي راكمته سنوات الإبادة والحصار، ولا أن يُدفعوا إلى الانكفاء باعتبارهم ضحايا معزولين عن سياقهم الوطني. ما جرى في غزة ليس قدرًا محليًا، بل جرحًا فلسطينيًا عامًا. وإنصاف أهلها لا يكون بإدارة عزلتهم، بل بإعادتهم سياسيًا ومعنويًا إلى قلب الكيانية الفلسطينية الواحدة.
غزة: قضية وطنية لا ملف إنساني
من هنا، تقع مسؤولية مباشرة على القوى الاجتماعية الحية في غزة، من لجان شعبية ومؤسسات أهلية وفعاليات شبابية ونسوية ونقابية، في التعامل مع هذه المرحلة باعتبارها لحظة ضغط لا انتظار. فالمطلوب ليس الدفاع عن ترتيبات مؤقتة لذاتها، بل استخدامها أداة لفرض استحقاق إنهاء الانقسام وبناء الوحدة الوطنية.
هذا ما تمليه حقيقة لا ينبغي القبول باستمرار إغفالها أو تجاهلها، ألا وهي أن غزة ليست شأناً إنسانياً فحسب ولا ملفاً إدارياً مؤقتاً، بل هي قلب القضية الفلسطينية، ولن تُستعاد كرامة أهلها ولا معنى تضحياتهم إلا بوحدة القرار الوطني ووحدة المشروع السياسي، والتقدم بثبات نحو استحقاق تقرير المصير وتجسيد دولة الاستقلال.