عقدة إسرائيل بين الأقلية والأكثرية
ماهر ابو طير
21-01-2026 12:23 AM
من اللافت للانتباه ان العالم العربي ينشطر عاموديا وافقيا، ولا وحدة داخلية في اغلب الدول العربية التي تعاني شعوبها من المظالم والفساد والتعسف والتغول في حالات كثيرة، يعرفها الكل ولا ينكرها احد.
الكلام عن المواطنة المتساوية يبدو مجرد ترف، لأن اغلب الدول العربية تعاني من انقسامات داخلية لكنها مضبوطة الايقاع بفعل السلطة، وجماعات السلطة العسكرية والاجتماعية والاقتصادية.
عند اول اختبار او محنة، تنهار كل السرديات حول المواطنة، واذا كنت تظن ان هناك مواطنة تساوي بين الكل دون تميير، تكتشف امرين، اولهما ان معادلة الاقلية المظلومة والاكثرية الغالبة هي السائدة، وان استعداد الاقلية المظلومة لمواجهة الاكثرية الغالبة مفتوح للحصول على الدعم والمساندة خصوصا عبر الاستغاثة باسرائيل.
الى من نوجه اللوم اليوم، الى الدولة التي لم تصنع عدالة تشمل الجميع، ام الى الاكثرية التي تستبد احيانا بحق غيرها، ام نوجهه الى الاقلية التي اصرت انها اقلية وليست جزءا من المواطنة فبحثت عن الحلول عبر دعوات الانفصال او الحصول على الدعم السري او العلني من جانب دول كثيرة، وخصوصا، اسرائيل التي تنفذ اليوم الى مواقع عدة في العالم العربي، وتستثمر في قصة الاقلية والاكثرية، وتوفر الدعم للانفصال او لمواجهة السلطة، او اثارة الازمات.
هذا يعني من جهة ثانية اننا امام عالم عربي هش قابلة للقسمة على اثنين وثلاثة واربعة ربما، وكأننا امام احد خيارين هنا، اما ادامة الوضع الخرب بذريعة صون وحدة الدولة، واستمرارها على كومة الخراب الداخلية، او الانهيار وبدء المواجهة بين اقليات كثيرة ترى انها كانت مستهدفة، او انها قد تتعرض للاستهداف اذا ما سقط النظام الحاكم، ولم يبق الا اقل القليل من ضمانات الحياة والعيش.
لدينا نماذج كثيرة خطيرة لانفجار الاقليات، في العراق ولبنان وسورية، وريما فكرة الاقلية هنا لا ترتبط بالقومية فقط، بل بالدين احيانا او المذهب او العرق، او حتى التجمعات القبلية كما في ليبيا، والامثلة التي يمكن الاشارة اليها كثيرة جدا، بما يعني اننا امام منطقة لا تحمل تعريفا موحدا، ولا روحا موحدة برغم كل الكلام الجميل.
الاستغاثة باسرائيل تحدث عبر اكثر من مستوى، الاول الاستغاثة برفع اعلام اسرائيل وتوجيه نداءات استغاثة سياسية واعلامية، والثاني التخابر مع اسرائيل طلبا للدعم المالي والعسكري لتنفيذ مخطط ما، والثالث الخضوع للاجندة الاسرائيلية بهدف الحصول على دعم اميركي وغربي والاعتراف بهذا المكون او ذاك في ظل صراعات.
ما هو مؤلم اكثر ان البعض مستعد للتحالف مع عدو تاريخي مقابل مصالحه، واذا كانت سقوف الحياء قد تهاوت فإن النتائج على الاغلب تأتي عكسية لان اهل المنطقة ايضا لا يمكن لهم ان يتسامحوا مع من يستغيث بالعدو علنا، او سرا، او يفتح له بوابات النفاذ لشعوب المنطقة.
برغم كل ما سبق لا يمكن تخوين الاقليات العرقية والقومية والدينية والمذهبية بسبب غرقها في هذا الطين، دون ان نناقش حقا الاخطاء والخطايا التي ترتكبها الانظمة، او ما يمكن وصفة بالمكونات الاكثر عددا ونفوذا في اي بلد، لأن هذه المكونات ايضا تستسهل ايقاع الظلم على من نراه ينتمي الى اقلية، وتعتبره قابلا للابادة او الشطب.
منذ الربيع العربي وحتى يومنا هذا تكشفت عورة المنطقة، وكل نقاط الضعف في شعوبها، وقد قيل مرارا أن ادامة الحال عبر التصنيف غير المقدس للانسان في المنطقة على اساس انتسابه لأقلية او اكثرية، يعد عنصر التفجير الاخطر لأي شعب، وقد لا يكون واضحا اذا كانت مركزية الدولة قوية وحاضرة، لكن عند اول اختبار او محنة تتبدى كل الامراض الكامنة تحت السطح، اي كان سببها المعلن او السري.
المواطنة هي الحل الوحيد امام ثنائية الاقلية والاكثرية، وبدونها ستنفذ اسرائيل الى كل كينونات المنطقة لتستثمر في الانفصال والتقسيم.
"الغد"