عندما يتعمق الحضور بالرحيل ..
محمد حسن التل
21-01-2026 05:32 PM
لا يحق لي أن اكتب عن عواطفي في الذكرى الخامسة والعشرين لوفاة والدي لأن العواطف تعني الشخص نفسه والحديث عنها يفقدها قدسيتها ومعناها وربما يكون الأخر غير معني بها لكنني سأكتب عن مفكر وصحفي وكاتب ورجل مواقف في ذكرى رحيله، والكتابة عن هذه الذكرى يجب أن لا تكون عابرة ، بل يجب أن تخط بثبات القيم التي لا تشيخ، وبحضور الرجال الذين إذا غابوا بالجسد، بقوا بالأثر والمعنى، فبعض الأسماء لا تُستعاد في الذكرى، بل تُستدعى لتذكّرنا بما يجب أن يكون.
وُلد الراحل في زمن كانت فيه الكلمة تُربّي، والفكرة تُشكّل الوعي، والانتماء مسؤولية لا شعارًا.
تنقّل الراحل في تعليمه بين إربد والقدس، وأنهى دراسته الثانوية في الكلية الإبراهيمية، هناك تشكّل وعيه على قضايا الأمة الكبرى، وفي مقدّمتها فلسطين، يقول عنه صديقه المفكر منير شفيق تعرفت على حسن التل في القدس وهو شاب صاحب اتجاه إسلامي وكنت أنا شيوعيا ولكنني لم أر فيه أي تعصب أو تطرف ، بل كان يناقش بالعقل والمنطق وكنت أعرف بداخلي أن هذا الصديق الشاب كان يهيئ نفسه لأن يكون واحد من أصحاب القلم والفكر المعدودين في العالم العربي والاسلامي"،
ويضيف، كان حسن التل جامعًا بين صلابة اللغة وعمق الفكرة وسعة الأفق.
ولم يكن هذا الانطباع حكرًا على منير شفيق وحده، فقد قال عنه المفكر سمير الهضيبي إن حسن التل كان صديقًا صافيًا في زمنٍ شحّ فيه الصفاء، لا تحكمه المصالح ولا تغيّره الظروف، يحمل محبة خالصة ووفاءً نادرًا، ويتسع قلبه للاختلاف دون أن يحمل كراهية لأحد. ورأى فيه محمد الأموي مثالًا للعقل الهادئ والحوار الرزين، بعيدًا عن الضجيج والمهاترات، ثابتًا على مواقفه، مؤمنًا بأن الرجال يُعرفون بثمار أفكارهم لا بكثرة شعاراتهم، وأن الكلمة أمانة لا وسيلة خصومة، أما الإمام محمد علي التسخيري فقد وصفه بأنه نموذج للإخلاص في العقيدة والانفتاح في الفكر، جمع بين أصالة المضمون وعصرية الخطاب، ولم تحصره الجغرافيا ولا الانقسامات، بل اتسع عقله وقلبه لكل قضايا الأمة، فكان صوته شاهدًا على أن المشروع الإسلامي لا ينهض إلا بوحدة الوعي، وصدق الكلمة، ونبل الموقف كذلك
الإمام الألوسي فقد توقّف عند تجربته وقيمتها، فرأى أن جهاد حسن التل لم يكن جهاد اندفاع ولا حماسة عابرة، بل جهاد النفس والعقل معًا، ذلك الجهد الذي “يبلغ بالنفس أقصى غاية الوجود”،وهو الجهاد الذي لا يترك ضجيجًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا في الوعي ، ويشير الألوسي إلى أن التل قضى حياته في ساحة المعركة مع أعداء الأمة، لا بسلاح المواجهة المباشرة، بل بسلاح الفكر، وسلاح التجربة، وسلاح الوعي المطلوب، متنقّلًا بين قضايا الدعوة والفكر، متفقدًا أحوالها، ناقدًا انحرافاتها، ومتمسكًا بجوهر الرسالة بعيدًا عن الشعارات والادّعاء، مؤكدا أن قيمة حسن التل لا تكمن في غزارة إنتاجه فحسب، بل في طبيعة هذا الإنتاج، إذ لم يكن أسير زمنه ولا رهين معاركه العابرة، بل كان حريصًا على الإحاطة بقضايا الإنسان عامة، والإنسان المسلم خاصة، تعامل معها على هدى من الوعي، وقصدٍ في الطرح، وميزانٍ دقيق بين الثبات والتجديد، وهو ما جعل أثره ممتدًا يتجاوز لحظة الكتابة إلى ما بعدها.
وكتب الدكتور ناصر الدين الأسد رحمه الله عن الراحل..كان في مواقفه وأقواله صوت العقل الهادىء حين يحتدم الجدل وما أكثر ما يحتدم في زماننا وكان هدوء صوته شعاع ضياء يتسلل إلى عقول مستميعيه ونفوسهم فيبعثهم على التأمل والتدبر.. كما شهد للراحل مئات العلماء والمفكرين بعد رحيله، لكن المقام لا يتسع لأكثر مما سبق ذكره..
استهلّ حسن التل مسيرته العملية في قطاع التعليم ما بين عامي 1955 و1962، فظلّت روح المعلّم ملازمة له في كل المراحل حيث كان يخاطب العقل قبل العاطفة، ويقنع قبل أن يجادل، وكان يقدم الخطاب بطريقة متوازنة ،بوعي بعيد عن التهويل والتبسيط، مؤمنًا بأن الدين رسالة وعي قبل كل شيىء .
اتّسعت تجربته، وتشابكت علاقاته مع النخب الفكرية العربية ولإسلامية، مع الزمن وامتداد التجربة وعمقها فكان حاضرًا في النقاشات الكبرى حول الهوية والنهضة، ومستقبل الأمة، لن تكن الوظيفة الرسمية يومًا غايته، فاختار أن يغادرها إلى ميدان الصحافة الحرة، حيث تُختبر الكلمة، ويُدفع ثمن الموقف.
عام 1972، أسّس صحيفة اللواء، لا بوصفها مشروعًا صحفيًا فحسب، بل بوصفها منبرًا فكريًا حمل همّ الإصلاح، ودافع عن الإسلام المستنير، وواجه الانحراف الفكري والتطرّف والغربة عن الواقع، وعلى امتداد نحو ثلاثين عامًا، كانت اللواء صوتًا للعقل، ومساحة للحوار، ومرآة لأسئلة المجتمع وهمومه.
خلّف حسن التل إرثًا فكريًا ضخمًا، آلاف المقالات والدراسات التي ناقشت قضايا الهزيمة والنهضة، والوعي الإسلامي، والتحديات الحضارية، بلغة هادئة، وتحليل عميق، وحسٍّ نقدي لا يساوم ، وشارك في مئات المؤتمرات والندوات داخل العالم الإسلامي وخارجه، مدافعًا عن حق الأمة في التفكير، وواجبها في المراجعة، وضرورة الجمع بين الأصالة والواقع.
كان له حضور فاعل في العمل الفكري والتنظيمي فشارك في تأسيس العديد من الهيئات التي تعنى في العمل الاسلامي واضعًا الفكر في خدمة الشأن العام، من دون أن يتحوّل إلى أسيرٍ له.
وفي كتبه: الهزيمة مبررات وأسباب، خارج الزمن الرديء، التلوث الفكري، والزعامة المميزة، أمة على الطريق، تتجلّى معالم مشروعه الفكري وتشخيص الخلل ومساءلة الذات، والتحذير من التزييف، والدعوة إلى قيادة واعية تعرف الفرق بين الضجيج والتأثير.
رحل حسن التل منشغلا بالفكرة، حاضرًا في ساحة الحوار. وكان رحيله صدمة، لأن الخسارة لم تكن شخصية ولا عائلية فقط، بل خسارة لصوت عقلاني كان في أمسّ الحاجة إليه، وظل ينادي بالأمة نداء الوحدة ورص الصفوف والعمل على تجاوز الخلاف وتعظيم المشترك حتى تستطيع هذه الامة الخروج من الهوة التى "إجتهد" اعداؤها ان تظل فيها حتى اخر ساعات عمره!!
في ذكراه، لا نكتفي باستحضار السيرة، بل نستعيد القيمة، قيمة الكلمة المسؤولة، والفكر الملتزم، والإنسان الذي جعل من قلمه ضميرًا، ومن موقفه رسالة، والأوفياء لحسن التل يجب أن يظل في اذهانهم، السؤال الذي عاش من أجله.
لقد جعل الراحل رحمه الله تعالى إرثه شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الكلمة موقفًا، والفكر أمانة، والإنسان غاية كل مشروع..رحل حسن التل كما قال ناعوه والأمة لازالت بحاجة الى أمثاله في الوفاء للأمة والثبات على الموقف في معركة البناء والصحوة...