قانون المنافسة .. رقابة السلوك لا الأحجام
رامي خريسات
22-01-2026 12:26 AM
حيوي هذا النقاش الدائر في مجلس النواب حول مشروع قانون المنافسة، بوصفه تشريعا اقتصاديا مؤثرا في سلوك الشركات، وتدفق الاستثمارات، ومحفزا للسوق الأردني على النمو دون تشوهات.
يحسب للمشروع استبدال اللجنة السابقة بمجلس لشؤون المنافسة يمتلك صلاحيات أوسع في رسم السياسات العامة، وبرز تغليظ العقوبات من خلال رفع قيمة الغرامات المالية بما يعكس رغبة حقيقية في ردع الممارسات الاحتكارية، إلى جانب إعادة هيكلة “مديرية المنافسة” لتصبح دائرة مستقلة بهدف تعزيز استقلاليتها الفنية والإدارية، غير أن تبعيتها المباشرة للوزير يفتح النقاش حول قدرتها على الحفاظ على حيادها، خاصة في القضايا المتعلقة بشركات تساهم فيها الحكومة بنسب مؤثرة، أو في قطاعات حساسة ستتقاطع فيها الصلاحيات مع هيئات تنظيمية أخرى كالصالات والطاقة، الأمر الذي يتطلب ضمانات فعلية تحمي القرار من أي تضارب محتمل في المصالح. أدخل المشروع تعريفا جديدا للوضع المهيمن، وهو بالمعنى الاقتصادي المبسط قدرة المحتكر على رفع السعر بنسبة تتراوح بين 5 % و10 % دون أن يلجأ الزبائن إلى منتج بديل.
غير أن هذا المفهوم لا يعني أن كل شركة ناجحة تعد مهيمنة حتى لو بلغت حصتها السوقية 90 %، طالما أن هذا النجاح ناتج عن جودة منتجاتها وذكائها التجاري. فالشركة لا تعاقب لمجرد تفوقها، وإنما تبدأ المساءلة عندما يظهر ما يعرف بالسلوك الاستبعادي (Exclusionary Conduct)، أي عندما تستخدم قوتها لمنع المنافسين من الدخول إلى السوق أو الاستمرار فيه.
وبالتالي، يعاقب المهيمن فقط إذا أدى سلوكه إلى رفع الأسعار، أو تقليل الجودة، أو خنق الابتكار، أو محاربة المنافسين. ولا بد من الالتفات إلى الأسواق الرقمية، مثل تطبيقات التوصيل والمنصات، حيث قد تكون الحصة السوقية بنسبة 40 % مؤشرا مضللا. ففي هذه الأسواق، هناك السيطرة على البيانات الضخمة كأحد مؤشرات الهيمنة حتى وإن كانت المبيعات المالية محدودة في فترة معينة، وهو ما يفرض منع استخدام الخوارزميات والبيانات الضخمة كأدوات لاحتكار مقنّع يوجه المستهلك نحو ما يضره.
جيد مراعاة مسألة التركز الاقتصادي ووضع معايير أكثر صرامة لعمليات الاندماج والاستحواذ، حيث يشترط المشروع الحصول على موافقة حكومية مسبقة إذا تجاوزت الحصة السوقية للمؤسسات المعنية 40 %، أو إذا تجاوز رقم المبيعات السنوي (Turnover) عشرة ملايين دينار. غير أن الشفافية تقتضي مراجعة هذا الرقم بشكل دوري كل سنتين مثلا استنادا إلى دراسات علمية تراعي التضخم وحجم الاقتصاد الوطني لضمان توافقه مع القوة الشرائية للدينار، وليس بقرار تقديري منفرد، فاليوم تتجاوز العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة هذا الرقم بسهولة، ما يخلق خطرا حقيقيا من شمولها برقابة قد لا تكون مبررة. وتتضح هذه الإشكالية أكثر في حالات الاستحواذ؛ فعلى سبيل المثال، إذا قامت شركة مبيعاتها 9.5 مليون دينار بالاستحواذ على شركة ناشئة لا تتجاوز مبيعاتها 600 ألف دينار، فإن مجموع المبيعات سيتجاوز عشرة ملايين، ما يفرض دخول الصفقة في مسار الموافقات الحكومية رغم محدودية أثرها على المنافسة.
من هنا، يجب عدم الاكتفاء بشرط المجموع الإجمالي للمبيعات، بل إضافة شرط أن تكون مبيعات كل طرف قد تجاوزت حدا أدنى معقولا، بما يمنع إخضاع صفقات الاستحواذ على الشركات الناشئة أو الصغيرة لإجراءات معقدة قد تعرقل نموها أو استثمارها.
مثل هذا التعديل من شأنه أن يخلق مسارا سريعا للاندماجات التي لا تثير مخاوف حقيقية، ويجعل مسار الدراسة المعمقة محصورا في القطاعات السيادية والحساسة.
ولا بد من التنبيه إلى أن فترات الانتظار التي قد تصل إلى تسعين يوما، كما هو وارد في المشروع، قد تتسبب في تعطيل صفقات استحواذ تهدف إلى إنقاذ شركات متعثرة أو تطوير شركات ناشئة، وهي مدة طويلة تستدعي تقصيرها لتناسب إيقاع هذا العالم المتسارع.
باختصار، يحتاج المشروع إلى الانتقال من الرقابة على أحجام الشركات إلى الرقابة على سلوك الشركات.
فالهيمنة بحد ذاتها ليست جريمة، بل نتيجة طبيعية للنجاح، أما إساءة استخدامها فهي ما يجب أن يكون محل الاستهداف.
"الغد"