الملفات الاقتصادية الشاغلة للرأي العام الأردني
د. ابراهيم سيف
22-01-2026 06:43 PM
يلاحظ المراقب في الأردن مؤخرا أن الجدل يتمحور حول عدد من الملفات الاقتصادية التي يكاد الرأي العام أن يكون منقسما حيالها، فهي خلافية بالنظر الى طبيعتها وكونها متوسطة الى بعيدة المدى إضافة إلى التباس وتداخل فيما يخص المعلومات المتوافرة حولها وخضوعها لتفسيرات متفاوتة من قبل جمهور يحب الحديث عن القضايا العامة وإبداء الرأي فيها، وهذه طبيعة جمهور لا يثق كثيرا بالسياسات العامة ودائما ما يشكك في صحة النيات، إضافة الى تجاذبات محلية وتنافس بين قوى سياسية حول بعض القضايا المحلية التي يوجد هامش لتداولها تحت سقوف معينة. ورغم تصدر الهموم المعاشية المتعلقة بالفقر والبطالة وغيرهما، إلا أن هذه الملفات بالنظر الى حيويتها وتداعياتها المختلفة ستحدد الكثير من المآلات والمسارات الاقتصادية خلال السنوات القليلة المقبلة.
لعل المدينة الجديدة "عمرة" تكاد تكون هي القضية التي تحظى بأكبر درجة من النقاش، تلك الفكرة التي تسعى لإيجاد حيز سكاني بين أكبر تجمعين في الأردن ما بين الزرقاء والعاصمة عمان، وهنا يتجلى الخيال الشعبي حول جدوى المدينة الجديدة، من المستفيد من هذه المنطقة، لماذا تم اختيار الموقع؟ من هم الملاك الجدد؟ ورغم الإعلانات المتكررة من قبل القائمين على المشروع وتقديم تفاصيل عديدة للإجابة عن تلك الأسئلة، إلا أن الحديث والتشكيك بجدوى المدينة الجديدة والفائدة المرجوة منها لا ينقطع على الرغم من الجهد الكبير الذي تبذله الحكومة، وحديث رئيس الوزراء جعفر حسان في خروج نادر على التلفزيون الرسمي في محاولة لإزالة الالتباس ودحض العديد من الإشاعات. ومن الواضح أن هناك العديد من الأسئلة ستبقى معلقة وسترافق المراحل المختلفة لتنفيذ المشروع.
ثاني الملفات، الناقل الوطني للمياه وتحليتها من العقبة الى عمان، وهو ما يمكن وصفه بأكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ الأردن بكلفة قد تصل الى 3 مليارات من الدولارات، ويهدف "الناقل" الى تحلية مياه البحر في خليج العقبة ونقلها الى مناطق الكثافة السكانية لتأمين 300 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب بما يغطي احتياجات نصف سكان الأردن تقريبا ويخفف الضغط على موارد المياه الجوفية. والجدل حول هذا المشروع يتمحور حول الكلف المترتبة عليه ومن سيتحملها، وكيف سيتم تسعير المياه لاحقا للمستهلكين، كذلك يرافق تنفيذ "المشروع الموعود" والذي سيتم تشغيله بحلول عام 2030 جدل حول نسب الفاقد المرتفعة في شبكة المياه القائمة بما يثير أسئلة حول جدوى تحلية المياه في الوقت الذي ترتفع فيه نسب الفاقد الى حوالي 40% وفقا لبعض التقديرات. يبقى أن الخطاب الرسمي يعتبر هذا المشروع استراتيجيا ولا غنى عنه رغم ارتفاع التكاليف وصعوبة تأمينها.
ثالث الملفات مرتبط بالضمان الاجتماعي (مؤسسة التقاعد الوحيدة في الأردن) وتعديل قانون تلك المؤسسة بما يضمن الاستدامة المالية، حيث إن الدراسات الاكتوارية تشير بوضوح الى اقتراب نقطة التعادل، وهو ما يعني بدء نضوب قيمة موجودات الضمان وتراتجعها بعد أعوام قليلة، والهدف المعلن من التعديلات القانونية هو إبعاد نقطة التعادل من خلال إجراءات مالية تلغي مفهوم التقاعد المبكر وتلغي بعض الامتيازات الممنوحة والتي تتعارض مع مفهوم عمل صناديق التقاعد بعيدة المدى، ويعتبر هذا من أصعب الملفات التي ستواجه الحكومة، وهو أيضا موضوع لا غنى عنه لضمان الاستدامة المالية لأكبر مؤسسة مالية في البلاد، وستواجه التعديلات الجديدة بمقاومة من قبل بعض الفئات المستفيدة من الصيغة الحالية للقانون، إلا أن الحكومة مصممة على المضي في التعديلات إدراكا منها لصعوبة الاستمرار بهذه الصيغة غير القابلة للاستدامة المالية، وهذه ليست المرة الأولى التي تسعى فيها حكومة لتعديل القانون، لكن المقاومة البرلمانية والشعبية في المرات السابقة كانت قوية، فهل ستكمل الحكومة الحالية الطريق الى آخره، هذا ما تؤكده المصادر الرسمية على الرغم من عدم شعبية القرار.
الملف الرابع متعلق باكتشافات الغاز الجديدة في حقل الريشة الذي يقع في أقصى شمال شرق الأردن على الحدود مع العراق وتديره شركة البترول الوطنية المملوكة بالكامل من قبل الحكومة، وتم الإنتاج الأولي من هذا الحقل عام 1989، ونقبت فيه سابقا شركات عملاقة مثل بريتش بتروليم BP وهجرته، وحاليا تعلن الشركة الحكومية عن اكتشافات مهمة وإنتاج يمكن أن يغطي احتياجات الأردن خلال السنوات القليلة المقبلة، والجدل ليس فقط حول المستقبل بل بالغموض الذي يكتنف تاريخ الحقل الوحيد في المملكة، وهنا تثار التساؤلات فيما إذا كانت الاكتشافات الجديدة ستغير من قواعد اللعبة وهل سيتمكن الأردن من الاستغناء عن الغاز الإسرائيلي وما هي التداعيات الإقليمية المرتبة على ذلك.
الملف الخامس والأخير هو البرنامج التنفيذي للحكومة 2026-2029 الذي أعلنته قبل أسابيع برعاية ملكية ويستند الى رؤية تحديث شامل للدولة بهدف تطوير الاقتصاد والقطاع العام والبنية التحتية والحوكمة، من خلال ترجمة المبادرات الى مشاريع ومؤشرات قابلة للقياس، الرأي العام يجادل بأن هذه ليست المرة الأولى التي نشهد فيها هذا النوع من المبادرات، فهل ستنجح الحكومة بترجمة البرنامج الى واقع ملموس وتغيير الانطباعات التي تجادل بأن ما يحتاجه الأردن هو التنفيذ لتلك البرامج وليس التخطيط فقط.
بطبيعة الحال هناك ملفات أقل أهمية، لكن القاسم المشترك بين الملفات الكبيرة هو النظرة المتشككة فيما يخص التنفيذ، مع رغبة جامحة بالنجاح لأن من شأن ذلك تحريك عجلة النمو والبدء باستعادة ثقة مفقودة في مجال السياسات العامة، بقي أن نقول إن الملفات الموصوفة لاعودة عنها من وجهة النظر الرسمية وهي ستستمر بالنظر إلى طبيعتها وارتباطها بمفاصل حيوية تتعلق بالاستمرارية والاستدامة.
عن العربي.