القطارات فائقة السرعة .. المشروع الأكبر في تاريخ الأردن
خالد دلال
23-01-2026 11:07 PM
مع إدراج الحكومة، ضمن فرصها الاستثمارية الجديدة، وفي إطار تحقيق رؤية التحديث الاقتصادي، مشروعا إستراتيجيا لربط العاصمة عمان بالعقبة، مرورا بمدن الجنوب، بسكة حديدية وشبكة قطارات فائقة السرعة، تكون قد اتخذت الخطوة الأولى لإطلاق أكبر مشروع ومحرك تنموي في تاريخ المملكة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أبعاده المستقبلية ليشمل مدن الأردن الرئيسة في مختلف الاتجاهات، وليشكل كل ذلك أساسا لربط المملكة مستقبلا بدول الجوار العربي.
المشروع سيُحدث، في مراحل إنشائه وتشغيله، قفزة نوعية لجهة تحريك قطاعات الاقتصاد، من إنشاءات وصناعة وخدمات لوجستية ومساندة وغيرها، ويعزز من تنافسية قطاعي النقل والسياحة وغير ذلك، ويخلق الآلاف من فرص العمل، مما يشكل أداة حقيقية لمحاربة البطالة.
التفاصيل تتحدث عن مشروع سيشكل العمود الفقري لشبكة نقل وطنية مستدامة في زمن قياسي، فربط عمان بالعقبة بشبكة قطارات سيوفر للمسافر، مواطنا كان أو سائحا أو رجل أعمال، فرصة اختصار زمن الرحلة والوصول إلى العقبة أو بالعكس في ساعة وخمس دقائق بدلا مما يزيد على أربع ساعات.
الجدوى الاقتصادية للمشروع عالية، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تزايد الكُلف التشغيلية للنقل البري التقليدي، وارتفاع أسعار الوقود عالميا.
كما أن للمشروع أبعادا اجتماعية تنموية، فمن خلاله ستتمكن العائلات الأردنية والسياح من القيام برحلات شبه يومية، والاستمتاع بسحر العقبة والعودة مساء إلى عمان بعيدا عن التفكير بمشقة التنقل بالسيارة على مدار 4 ساعات وأكثر ذهابا أو إيابا.
كما أنه سيعمل على إدامة حركة الركاب على مدار الساعة بين العاصمة ومدن الجنوب، وسيمهد الطريق لتحويل هذه المدن إلى مراكز صناعية جاذبة للاستثمار.
تكمن أهمية المشروع كذلك في المردود الإيجابي الهائل المتوقع على قطاع السياحة، حيث سيجد زوار الأردن، خصوصا من أوروبا وأميركا الشمالية، وسيلة نقل تتماشى مع أنماط حياتهم اليومية، ذلك أن القطارات فائقة السرعة تشكل في بلادهم خيارهم الأول للتنقل.
وفي الحديث عن التفاصيل، فقد أفادت مصادر مطلعة بقيام وفد رفيع المستوى من مجموعة ألستوم الفرنسية - وهي من كبرى شركات العالم المختصة والرائدة في تطوير وتصنيع أنظمة السكك الحديدية، وإنتاج وتشغيل القطارات فائقة السرعة (TGV) وبنى التحتية لها، وتعمل في نحو 64 دولة - بزيارة للأردن مؤخرا ولقاء كبار المسؤولين، وبحث اهتمام المجموعة بتنفيذ المشروع، الذي سيستغرق من 4 إلى 5 سنوات وفقا لنظام BOT (بناء - تشغيل - نقل)، بمعنى أن يتم تشغيله وإدارته من قبل الشركة الفرنسية على مدار فترة زمنية تحددها الحكومة، ومن ثم تنتقل ملكية المشروع إلى الدولة، وفي هذا خير للأجيال مستقبلا، حيث سيشكل المشروع مصدر دخل كبير لخزينة الدولة.
أهمية التجربة الفرنسية أنها تقدم تكنولوجيا مشهودا لها عالميا، وهي الأكثر موثوقية في أنظمة السلامة، والكفاءة في استهلاك الطاقة، والاستدامة البيئية.
صحيح أن كلفة إنشاء السكك الحديدية وتشغيل القطارات بالمليارات، لكن المردود الاقتصادي أضعاف مضاعفة إذا ما أُخذ في الاعتبار الآلاف من الوظائف المباشرة وغير المباشرة التي ستُولِّدها، والخدمات المساندة التي تحتاجها، إضافة إلى كون هذه المشاريع تترجم إلى فرص استثمارية للقطاعات التمويلية في الأردن، وفي مقدمتها البنوك وصناديق الاستثمار، إضافة إلى الجهات التمويلية الحكومية والخاصة عربيا ودوليا.
المشروع ذو قيمة إستراتيجية كبيرة وفوائده متشعبة، وسيعزز في المحصلة موقع المملكة على خريطة الاستثمار والسياحة والصناعة والتجارة الإقليمية والعالمية.
المهم في كل ما تقدم أن الخزينة لن تتكبد شيئا جراء مشاريع القطارات فائقة السرعة، إن استطاعت الحكومة، وفي ذلك فرصة ثمينة، الوصول عبر التفاوض إلى تنفيذها على أساس (BOT)، وقد ترى الحكومة دراسة تقديم إعفاءات ضريبية وحوافز لجذب المستثمرين.
وفي المحصلة، إن نجحت الحكومة في تحويل حلم القطارات فائقة السرعة إلى حقيقة وواقع نعيشه، فسيسجل لها الأجيال إطلاق المشروع الأكبر في تاريخ الوطن.
الغد