مستقبل التّمويل والائتمان في الأردن
د. إسحق المشايخ
24-01-2026 02:26 PM
* رؤية مصرفيّة في تمويل التّجزئة والشّركات والمشاريع الكبرى وتمويل التّجمعات البنكيّة
لمْ يعد التّمويل المصرفيّ في الأردن مسألة وفرة سيولة أو توسّع ائتمانيّ تقليديّ، بل بات معادلة مركّبة تتداخل فيها كلفة المال، واشتداد المخاطر، ومتطلّبات الاستدامة ضمن بيئة إقليميّة مضطربة وعالم يتّجه نحو تشديد طويل الأمد في شروط الائتمان وإعادة تعريف عميق لدور البنوك في الاقتصاد.
في تمويل التّجزئة يقف السّوق الأردنيّ عند نقطة تحوّل واضحة؛ إذ إنّ النّمو المعتمد على القروض الاستهلاكيّة بلغ حدوده الطبيعيّة في ظلّ ارتفاع الكلف، وتراجع القدرة الشّرائيّة، وتزايد حساسيّة الأفراد تجاه الدّيْن، ما يفرض على البنوك الانتقال من منطق التْوسْع الكميْ إلى منطق التّمويل الذّكيّ القائم على فهم السّلوك الماليّ، وتحسين نماذج التّقييم، وربط الائتمان بالاستقرار الماليّ طويل الأجل لا بالاستهلاك قصير النّفس؛ فالتّحدي الحقيقيّ لمْ يعدْ في زيادة عدد القروض، بل في جودة الأثر الماليّ الذي تتركه على الأفراد والاقتصاد.
أمّا تمويل الشّركات لا سيّما المتوسّطة منها فيتحرّك ضمن هامش أكثر دقّة؛ إذْ تواجه هذه الفئة ضغطًا مزدوجًا: كلفة تمويل مرتفعة منْ جهة، وهوامش ربح مضغوطة منْ جهة أخرى؛ وهنا يبرز التّحدي أمام القطاع المصرفيّ: كيف يدعم النّشاط الإنتاجيّ دون تحميل ميزانيّاته مخاطر غير محسوبة؟ وكيف ينتقل تدريجيًّا منْ تمويل قائم على الضّمانات الجامدة إلى تمويل يستند إلى الجدوى الاقتصاديّة، والتّدفّقات النّقديّة، وجودة الإدارة مع الحفاظ الصّارم على سلامة الائتمان؟ هذا التّحوّل ليس سهلًا، لكنه بات ضرورة لا خيارًا.
وأمّا تمويل المشاريع الكبرى والبنية التّحتيّة، فإنّ المرحلة المقبلة تفرض نموذجًا مختلفًا جذريًّا؛ فالمشاريع الاستراتيجيّة لمْ تعدْ قابلة للتّمويل الفرديّ، لا منْ حيث الحجم، ولا من حيث تعقيد المخاطر، وهو ما يجعل التّجمّعات البنكيّة خيارًا شبه حتمي، لا أداة ظرفيّة؛ ففي هذا النّموذج تتوزّع المخاطر، وتتقاطع الخبرات، ويعاد تعريف دور البنوك منْ مموّلين منفردين إلى شركاء ماليّين في التّنمية يشاركون في التّقييم والمتابعة وإدارة المخاطر.
غير أنّ نجاح التّجمّعات البنكيّة في الأردن لا يتوقّف على السّيولة وحدها، بل على نضج الأطر القانونيّة، ووضوح الهياكل التّنظيميّة، ووجود مشاريع ذات جدوى اقتصاديّة حقيقيّة؛ بعيدًا عن التّمويل القائم على التّوقّعات السّياسيّة أو الوعود غير القابلة للتّحقّق؛ فالتّجمّع البنكيّ النّاجح ليس تجميع أموال، بل تجميع ثقة، وتقييم مخاطر مشترك، ورؤية موحّدة.
ومنْ منظور مصرفيّ عمليّ وتجربة ميدانيّة، فإنّ مستقبل التّمويل في الأردن يتطلّب تحوّلًا هادئًا لا صداميًّا، وتدرّجًا ذكيًّا لا قفزًا غير محسوب؛ ويمكن تلخيص المسار الأمثل في أربع ركائز أساسيّة:
أوّلًا، إعادة هندسة محافظ التّجزئة بالانتقال من الإقراض الاستهلاكيّ التّقليديّ إلى منتجات تعزّز الاستقرار الماليّ للأفراد، وتحدّ من الإفراط في المديونيّة، وتربط التّمويل بالادّخار والتّأمين وبناء سجل ائتمانيّ سليم.
ثانيًا، في تمويل الشّركات يصبح من الضّروري تطوير أدوات تقييم أكثر مرونة تراعي طبيعة القطاعات، ودورات الأعمال، وتكافئ الإدارة الجيّدة لا مجرّد الضّمانات، مع تعزيز الشّراكات مع مؤسّسات الضّمان والتّمويل التّنمويّ لتخفيف المخاطر دون تعطيل الائتمان.
ثالثًا، في المشاريع الكبرى، يجب الانتقال منْ منطق التّمويل إلى منطق إدارة المشروع ماليًّا بحيث يكون التّجمّع البنكيّ جزءًا من الحوكمة لا مجرّد مموّل مع توزيع عادل للمخاطر، وشفافيّة عالية في الإفصاح، وربط سحب دفعات التّمويل بالتقدّم الفعليّ لا بالجداول النّظريّة.
رابعًا، يبقى دور البنك المركزيّ الأردنيّ محوريًّا في ضبط الإيقاع عبر سياسات تشجّع الائتمان المنتج، وتمنع في الوقت ذاته تراكم المخاطر النّظاميّة (وهي المخاطر التي تؤثّر على النّظام الماليّ في الدّولة ككل)؛ فالمعادلة ليست في زيادة التّمويل، بل في توجيهه حيث تكون القيمة المضافة أعلى.
في موازاة ذلك، باتت الرقمنة والتحوّل الرقميّ وأدوات الذكاء الاصطناعي عنصرًا حاسمًا في تشكيل مستقبل الخدمات المصرفيّة في الأردن، لا كخيار تقنيّ بل كضرورة استراتيجيّة لتعزيز الكفاءة وإدارة المخاطر وتحسين تجربة العملاء؛ فالاعتماد على النّماذج التحليليّة المتقدّمة في التّقييم الائتمانيّ، والتنبّؤ بالتعثّر، والكشف المبكر عن الاحتيال يمكّن البنوك من الانتقال إلى قرارات استباقيّة قائمة على البيانات، فيما تسهم رقمنة القنوات في خفض الكلفة وتسريع دورة التّمويل وتوسيع الشمول الماليّ، شريطة أن يترافق ذلك مع حوكمة رقميّة صارمة وأمن سيبرانيّ متقدّم لضمان أن يكون التّحوّل الرقميّ رافعة للاستقرار والنّموّ لا مصدرًا لمخاطر جديدة .
وفي هذا السّياق، يبرز دور البنوك الإسلاميّة كرافعة تكميليّة لا بديلة، بما تملكه منْ نماذج تمويل قائمة على الرّبط المباشر بالاقتصاد الحقيقيّ، وتقاسم المخاطر، والانضباط الأخلاقيّ في توظيف المال؛ إذ يمكن لصيغ التّمويل الإسلاميّ إذا ما أُحسن تصميمها وتطبيقها أنْ تسهم في تمويل التّجزئة بشكل أقلّ إرهاقًا للأفراد، ودعم الشّركات المنتجة بآليات أكثر ارتباطًا بالتّدفّقات الفعليّة، والمشاركة بفاعليّة في تمويل المشاريع الكبرى ضمن تجمّعات بنكيّة أكثر توازنًا، شرط الحفاظ على الكفاءة والحوكمة، وعدم تحويل الخصوصيّة الشّرعيّة إلى غطاء لمخاطر غير مدروسة.
وكخاتمة، يمكن القول إنّ مستقبل التّمويل والائتمان في الأردن لنْ يقاس بحجم المحافظ ولا بسرعة النّموّ، بلْ بجودة القرار، وحسن إدارة المخاطر، وقدرة القطاع المصرفيّ على التّكيّف دون التّفريط بالمتانة التي بناها عبر سنوات؛ ففي اقتصاد محدود الموارد كثير التّحدّيات، يبقى التّمويل الرّشيد المتدرّج القائم على الشّراكة لا المغامرة هو الرّهان الأذكى، والأكثر حكمة، والأبعد نظرًا.