facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحريات الصحفية وقميص عثمان!!


محمد حسن التل
24-01-2026 05:05 PM

اعتدنا منذ زمن طويل عند كل محاولة لتنظيم الإعلام لفرز الخبيث من الطيب وحماية المجتمع من شطط الدخلاء على مهنة الصحافة والإعلام خصوصا على مقطع الإعلام الرقمي تقوم زوبعة ويرفع شعار حماية الحريات الصحفية كقميص عثمان، وأنها ستكون ضحية لهذا الإجراء أو التشريع..

لاأرى أن الجدل الدائر حول نظام تنظيم الإعلام الرقمي لعام 2026 نقاشًا موضوعيًا حول الحريات، بقدر ما أصبح محاولة للإبقاء على حالة الفوضى الرقمية التي استفاد منها البعض على حساب المجتمع ككل وعلى وعلى حساب من يمارس مهنته بموضوعية وشفافية.. الهجوم على هذا النظام لا يقوم على قراءة قانونية ، بل على شعارات انفعالية تتجاهل الواقع الخطير الذي وصل إليه الفضاء الرقمي..

لقد تحوّلت المنصات الرقمية، في غياب التنظيم، إلى ساحة مفتوحة لنشر الأكاذيب، والتحريض، وتشويه السمعة، والابتزاز، وبث خطاب الكراهية، دون أي مساءلة حقيقية، ومع ذلك، يخرج بعض المحتجين ليصوّروا أي محاولة لتنظيم هذا الواقع كاعتداء على حرية التعبير،كما أشرت في خلطٍ بين الحرية المنفلتة والمسؤولية..

واللافت أن كثيرًا من هذه الاعتراضات تتجاهل حقيقة أن النظام الجديد لا يستهدف الصحفيين، بل يحافظ على حقوقهم ويعيد الاعتبار لدورهم المهني ، فهو يضع إطارًا قانونيًا واضحًا يميّز بين الصحافة المسؤولة التي تلتزم بالمعايير الأخلاقية، وبين المحتوى العشوائي الذي استغل الفضاء الرقمي للإساءة والتضليل ، كما يوفر حماية قانونية للصحفيين من التشهير، وسرقة المحتوى، والاعتداء على المهنة، ويضمن منافسة عادلة لا تقوم على الفوضى أو غياب المحاسبة.

إن رفض هذا التنظيم، في جوهره، يترك الصحفيين الحقيقيين مكشوفين أمام محتوى غير مهني ينافسهم دون التزام أو مسؤولية.

النظام الجديد لا يكمّم الأفواه، ولا يجرّم الرأي، ولا يستهدف النقد أو المعارضةالبناءة، بل يضع حدًا للاستغلال غير المشروع للإعلام الرقمي، ويطالب من يمارس تأثيرًا إعلاميًا واسعًا بالالتزام بالحد الأدنى من المهنية والشفافية،
و التضليل لا يمكن أن يكون يوما حقا مكتسبا يجد من يدافع عنه..
إن أخطر ما في هذه الاحتجاجات أنها تتجاهل حق المجتمع في الحماية من المحتوى المسموم، وتضع مصلحة فئة محدودة فوق المصلحة العامة، كما تتغافل عن حقيقة أن دولًا ديمقراطية متقدمة سبقت إلى سن تشريعات أكثر صرامة، إدراكًا منها لخطورة الإعلام الرقمي غير المنضبط على الأمن الاجتماعي والفكري.

إن رفض تنظيم الإعلام الرقمي بحجة الدفاع عن الحرية هو في حقيقته دفاع عن الفوضى، وعن مناخ يسمح بالإساءة دون حساب، ويقوّض الثقة بالإعلام، ويشوّه الوعي العام، فالحرية الحقيقية لا تمارس في غياب القانون ،
وعليه، فإن نظام تنظيم الإعلام الرقمي 2026 ليس فقط خطوة صحيحة، بل خطوة ضرورية لحماية المجتمع، وصون حقوق الصحفيين، وضبط المشهد الإعلامي، واستعادة المعنى الحقيقي لحرية التعبير بوصفها حقًا مسؤولًا لا أداة فوضى، وأي اعتراض لا ينطلق من هذا الفهم، يفتقر إلى الموضوعية قبل أن يفتقر إلى المنطق.

من واجب أي دولة أن تقوم بالإجراءات الضرورية لحماية المجتمع لديها من شطط من يتصدرون في كثير من الأحيان منصات التواصل الإجتماعي ويبثون أفكار الفوضى التي تؤذي المجتمع وتهدد استقرارة وتهدم قيمه.

ومن الطبيعي أن يكون للمؤسسات الحكومية المعنية أذرع قانونية للتدخل في الوقت المناسب لحماية المجتمع.. بل من الوجب دائما أن تحدث الأنظمة المعنية بهذا الشأن كلما اقتضت الحاجة ومجاراة كل التطورات التي تطرأ على الإعلام الرقمي لإيجاد مصدات قوية لحماية الناس من خطورة هذا النوع من الإعلام بعد أن اقتحمه الكثيرين ممن ليس لهم علاقة بالممارسة المهنية والأخلاقية...

دائما أقول وبعد أكثر من خمسة وثلاثون عاما من ممارسة مهنة الصحافة أن الصحفي كلما ازدادت مهنيته توسع هامش الحرية لديه في التعبير عن رأيه..هذه معادلة تجعل كل ممارس للعمل الصحفي والإعلامي لا يخشى أي تشريع يهدف إلى تتظيم قطاع الإعلام بكل أنواعه..

كثير من دول العالم سبقتنا في سن تشريعات تنظم الإعلام الرقمي لحماية مجتمعاتها حتى وصل الأمر بدول مثل بريطانيا واستراليا ودول كثيرة بادرت بسن قوانين وتشريعات تنظم هذا النوع من الإعلام..

وتأكيدًا لما أشرت له في البداية ، فإن التجارب الدولية الحديثة تُثبت أن تنظيم الإعلام الرقمي يمكن أن يتم دون المساس بجوهر الحريات الصحفية أو حرية التعبير، إذا ما تم بناؤه على مبادئ الشفافية، وحماية البيانات، والرقابة اللاحقة، لا الرقابة المسبقة على الرأي أو المحتوى ، ففي الاتحاد الأوروبي، يُعد قانون الخدمات الرقمية (DSA) نموذجًا متقدمًا في هذا المجال، حيث ركّز على ضبط بيئة المنصات الكبرى من خلال إلزامها بوسم الإعلانات بوضوح، والكشف عن المموّلين ومعايير الاستهداف، وإنشاء مستودعات عامة للإعلانات، خصوصًا السياسية منها، بما يعزّز حق الجمهور في المعرفة دون التدخل في مضمون الرأي نفسه.

كما حظر القانون الأوروبي الاستهداف الإعلاني القائم على البيانات الحساسة، مثل الدين أو الرأي السياسي أو العِرق، ومنع استهداف القُصّر، وربط الإعلام الرقمي بقواعد صارمة لحماية الخصوصية وفق اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، وهو ما يحدّ من التلاعب بالرأي العام دون أن يقيّد حرية التعبير أو العمل الصحفي المهني ، وقد بدأ التطبيق الكامل لهذه القواعد منذ 2024 على كبريات المنصات، مع فرض غرامات قد تصل إلى 6% من الإيرادات العالمية، وترتفع إلى 10% في حالات الانتهاكات الجسيمة أو المتكررة، بما يضمن الجدية والامتثال الفعلي وبالتأكيد أن النظام الجديد لتنظيم قطاع الإعلام الرقمي لدينا يسعى إلى ذلك..

التجارب الدولية تؤكد أن الإعلام الرقمي لم يعد مجرد مساحة تعبير، بل أصبح رافعة اقتصادية واجتماعية وسياسية ،لذلك فإن تنظيم هذا القطاع لا يهدف فقط إلى كبح الفوضى، بل إلى تمكين الإعلام الرقمي المهني من أداء دوره التنموي والثقافي والسياسي ضمن بيئة قانونية واضحة، تحمي المجتمع، وتدعم الصحافة الجادة، وتُعزّز الثقة العامة.

إن ما يشهده العالم من تشريعات متقدمة في هذا المجال يؤكد أن تنظيم الإعلام الرقمي ليس نقيضًا للحرية، بل هو شرط من شروط حمايتها واستدامتها، وأن ترك هذا الفضاء بلا ضوابط هو الذي يفتح الباب أمام التلاعب، والتضليل، والإساءة، ويقوّض في النهاية حرية التعبير ذاتها. وهذا ما يجعل أي تشريع وطني متوازن في هذا الإطار، خطوة إصلاحية ، وضرورة لحماية المجتمع والمهنة معًا، لا ذريعة للمساس بالحريات كما يحاول البعض تصويره....





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :