الأسواق العالمية في مواجهة السلاح الجيوسياسي
لما جمال العبسه
25-01-2026 12:04 AM
لم تعد الأسواق العالمية تنظر إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أنها مجرد مواقف سياسية عابرة، بل باتت تقرأها كإشارات مباشرة على اتجاهات الاقتصاد العالمي، فما تلبث الأسواق العالمية ان تهدأ حتى تأتي تهديدات ترامب لهذه الدولة او تلك، ليعود أداؤها الى مربع رد الفعل على ما سيحدث مستقبلا.
تهديدات الرئيس الأمريكي المتكررة شرقاً وغرباً، سواء عبر الرسوم الجمركية أو التلويح بخيارات عسكرية، وضعت الاقتصاد العالمي عامة في قلب صراع جيوسياسي معلن، وأدخلت الأسواق العالمية «العملات والمعادن والنفط» في دوامة من التقلبات غير المسبوقة، فالطلب على الذهب ارتفع بشكل مهول ليصبح الملاذ الآمن الأول، بينما وجد الدولار نفسه أمام اختبار تاريخي لمكانته كعملة احتياط عالمية، فيما بقيت الأسواق الناشئة الأكثر هشاشة أمام هذه التحولات.
الارتفاع المبالغ فيه في أسعار الذهب ليس مجرد انعكاس لزيادة الطلب الاستثماري، بل يعكس تحوّلاً استراتيجياً في سلوك الدول والمؤسسات المالية التي باتت ترى في المعدن النفيس ضمانة ضد اهتزاز الثقة بالدولار، وربط الرسوم الجمركية بملفات سيادية مثل رغبة ترامب في الاستيلاء على جزيرة جرينلاند وضع العملة الأميركية أمام اختبار غير مسبوق وذلك قبل تراجعه عن القرار، إذ تتحول من أداة مالية إلى ورقة ضغط سياسي، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسيادة.
وفي الوقت ذاته، أي تهديد عسكري أو جيوسياسي في الشرق الأوسط يترجم فوراً إلى تقلبات في أسعار النفط، وكان اخرها التهديد بتوجيه ضربة عسكرية لايران، ما يجعل الطاقة أكثر ارتباطاً بالسياسة من أي وقت مضى.
أما اسواق الأسهم العالمية وخاصة الأميركية، فقد شهدت عمليات بيع حادة قبل أن تتعافى جزئياً بعد اعلان ترامب عن تراجعه عن الاستيلاء على جرينلاند، في انعكاس مباشر لحساسية المستثمرين تجاه أي تصعيد سياسي أو اقتصادي.
يبدو المستقبل مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، أبرزها احتمال دخول العالم مرحلة ما بعد الدولار القوي، حيث يدفع الاستخدام السياسي للتجارة الدول إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن العملة الأميركية، مع تعزيز دور الذهب واليوان الصيني الذي شهد مؤخرا ارتفاعاً ملحوظا لكنه محسوبا بسياسة نقدية صينية محكمة، كما أن نمط الحروب الاقتصادية قد يصبح بديلاً عن القوة العسكرية التقليدية، وهو ما قد يفتح الباب أمام نزاعات سيادية غير مسبوقة.
في حال تحوّل التهديدات إلى واقع، قد نشهد موجة انسحاب واسعة من الأصول الأميركية، ما يفاقم أزمة الثقة ويزيد من تقلبات الأسواق العالمية، ومع ذلك، قد تستفيد بعض الاقتصادات الناشئة من إعادة توزيع الاستثمارات العالمية، خصوصًا تلك التي تقدم بدائل للطاقة أو أسواقاً جديدة للتجارة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تقلبات عابرة في أسعار الذهب أو النفط أو العملات، بل هو تحول تاريخي في علاقة السياسة بالاقتصاد، فالتجارة لم تعد وسيلة لتحقيق مكاسب اقتصادية فحسب، بل أصبحت أداة لتحقيق أهداف سيادية وجيوسياسية.
هذا التحول يضع الأسواق العالمية أمام اختبار مزدوج، اقتصادياً عبر تقلبات المعادن والعملات والطاقة، وسياسياً عبر إعادة تعريف حدود النفوذ الأميركي، وفي ظل هذا المشهد، يبقى الذهب المرآة الأكثر وضوحاً لقياس مستوى الثقة في النظام المالي العالمي، بينما يقف الدولار على مفترق طرق بين الحفاظ على مكانته أو مواجهة تراجع تدريجي أمام بدائل جديدة.
الدستور