التوجيهات الملكية السامية لإعادة هيكلة الجيش العربي
ماجدة الشوبكي
25-01-2026 12:52 PM
جلالة الملك ،عبدالله الثاني بن الحسين، حفظة الله ورعاة ،قائدا ملهما ،يقرأ الأحداث ببصيرة، تحاجج المواقف ،ويبني منها التوجيهات الملكية السامية ،بإعادة هيكلة الجيش العربي .لإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق تنفيذية تُحدث تحولًا بنيويًا في القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي خلال السنوات الثلاث المقبلة، إنها محطة مفصلية في مسار بناء القوة الوطنية للدولة الأردنية. فهي ليست إجراءً تطويريًا عابرًا، ولا استجابة ظرفية لمتغيرات آنية، بل تعبير صريح عن رؤية استراتيجية عميقة تستشرف متطلبات الأمن الوطني وتتعامل مع المستقبل بوصفه معادلة يجب الاستعداد لها لا انتظارها.
إن هذه التوجيهات تنبع من إدراك دقيق لطبيعة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مفاهيم الأمن والدفاع، حيث لم تعد التهديدات محصورة في الأطر التقليدية، بل باتت متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الجغرافيا مع التكنولوجيا، والعمليات العسكرية مع الفضاء السيبراني، والردع العسكري مع إدارة المعلومات. ومن هنا، يبرز حرص جلالة الملك المستمر على تعزيز جاهزية الجيش العربي وتطوير قدراته بما ينسجم مع طبيعة هذه التهديدات المتغيرة، لاسيما في ظل تسارع التطور التكنولوجي والعسكري واتساع بيئات العمليات على المستويين الإقليمي والدولي.
ويحمل التوجه الملكي نحو إحداث تحول بنيوي في القوات المسلحة دلالة واضحة على الانتقال من مفهوم التطوير الجزئي إلى مفهوم التحول الشامل، حيث لا يقتصر الأمر على تحديث المعدات أو إعادة تنظيم الهياكل، بل يمتد ليشمل العقيدة العسكرية، ومنظومات التدريب والتأهيل، وآليات القيادة والسيطرة، وبناء القدرات البشرية القادرة على التعامل مع أنماط جديدة من الصراع تتطلب مرونة عالية واستجابة ذكية وسرعة في اتخاذ القرار. وهو ما يعكس إيمان القيادة الهاشمية بأن الإنسان المؤهل علميًا ومهنيًا يبقى حجر الأساس في أي قوة عسكرية فاعلة، مهما بلغ مستوى التطور التقني.
وتأتي هذه التوجيهات في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تتداخل بؤر التوتر، وتتصاعد التحديات الأمنية غير التقليدية، ما يجعل من الجاهزية الشاملة ضرورة وطنية لا خيارًا تكتيكيًا. وفي هذا الإطار، يؤكد جلالة الملك أن الجيش العربي ليس مؤسسة دفاعية منعزلة عن محيطها الوطني، بل هو ركيزة سيادية أساسية في منظومة الدولة، وضامن للاستقرار، وشريك في حماية الأمن الوطني بمفهومه الشامل الذي يربط بين الأمن العسكري والأمن المجتمعي والاستقرار السياسي.
كما تعكس هذه الرؤية الملكية حرص الأردن على ترسيخ موقعه كدولة متزنة في معادلات الأمن الإقليمي، تمتلك قوة ردع عقلانية تحمي سيادتها ومصالحها الوطنية دون الانجرار إلى سياسات التصعيد أو المغامرة، وتعتمد في ذلك على جيش محترف، منضبط، قائم على القيم، وملتزم بالقانون الدولي وأخلاقيات العمل العسكري. وهي معادلة دقيقة تجمع بين القوة والحكمة، وبين الاستعداد العسكري والقرار السياسي الرشيد.
إن ما يمنح هذه التوجيهات الملكية وزنها الاستراتيجي الحقيقي هو صدورها عن قائد خبر المؤسسة العسكرية ميدانيًا، ويدرك طبيعة التحولات في الفكر العسكري العالمي، ويقود عملية التحديث من موقع المعرفة لا من موقع التنظير. فالقائد الأعلى للقوات المسلحة لا يرسم مسار التطوير فحسب، بل يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الجيش العربي أكثر قدرة على التكيف، وأكثر جاهزية لمواجهة المستقبل، وأكثر ارتباطًا برؤية الدولة الأردنية الشاملة.
وفي المحصلة، فإن التوجيهات الملكية السامية لإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق تحولية في القوات المسلحة الأردنية تمثل انتقالًا واعيًا من منطق الإدارة التقليدية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، ومن مفهوم الدفاع التقليدي إلى مفهوم الأمن الوطني الشامل. إنها ليست مجرد خطة لثلاث سنوات، بل استثمار وطني طويل الأمد في أمن الأردن واستقراره، وضمانة راسخة لبقاء الجيش العربي كما كان وسيبقى، سيف الوطن ودرعه، وحامي سيادته، وعنوان قوته العاقلة في عالم شديد التقلب.
* رئيس قسم العلاقات العامة والإعلام ووحدة تمكين المرأة والشباب ووحدة التنمية