الاستثمار في المهارة قرار الضرورة في القطاع الخاص
مالك العثامنة
26-01-2026 12:20 AM
لم تعد المهارات المهنية تفصيلا تقنيا يمكن تأجيله في النقاش الاقتصادي، بل أصبحت شرطا أساسيا لقدرة القطاعات الحيوية على الاستمرار والتوسع، وفي قطاعين بحساسية وأهمية الطاقة والمياه، ولم يعد مقبولا أن تبقى العلاقة بين التدريب وسوق العمل علاقة مرتجلة أو قائمة على الصدفة، ومن هنا تبرز أهمية مجلس المهارات لقطاع الطاقة والمياه، المعروف باسم WE Skill، بوصفه مشروعا تنظيميا يشتبك مع جوهر المشكلة، لا مع مظاهرها فقط.
الفكرة الأساسية للمجلس تنطلق من سؤال بسيط لكنه عميق الأثر، ما هي المهارات التي يحتاجها القطاع فعليا لا نظريا، ونتحدث عن اليوم وغدا، هذا السؤال ظل لسنوات غائبا بين جهات متعددة، فكانت النتيجة تدريبا لا يقود إلى وظيفة، ووظائف تبحث عن مهارات غير متوفرة، وما يقدمه المجلس هنا هو إعادة بناء هذه الحلقة المفقودة، عبر إطار مؤسسي يجمع الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات التدريب حول تعريف واحد للمهارة المطلوبة ومسار واضح لبنائها وتوظيفها.
المرحلة الأولى من مشروع WE Skill انتهت بنجاح واضح، حيث جرى تأسيس البنية التنظيمية للمجلس، وإطلاق منصة وطنية للمهارات، وبناء قاعدة تفاهم بين أصحاب القرار وأرباب العمل ومقدمي التدريب، الأهم من ذلك أن المشروع نجح في تغيير زاوية النظر إلى التدريب، من نشاط مستقل إلى جزء من سلسلة تبدأ بالطلب الحقيقي في السوق وتنتهي بوظيفة منتجة ومستقرة، هذا النجاح لا يُقاس بعدد الورش أو الاجتماعات، بل بوضوح الرؤية التي وُضعت للمرحلة التالية.
اليوم، تدخل المبادرة مرحلتها الثانية، وهي المرحلة الأهم والأكثر حساسية، مرحلة الانتقال من التأسيس إلى التوسع والتأثير، وهنا يصبح دور القطاع الخاص محوريا، لا بوصفه داعما معنويا، بل شريكا فعليا في صياغة المهارات، وتمويل البرامج المستدامة، وفتح مسارات عمل حقيقية، فالشركات التي تعاني من نقص الكفاءات، أو من ارتفاع كلفة التوظيف والتدريب، هي المستفيد الأول من هذا المشروع.
دعم WE Skill ليس مساهمة اجتماعية عابرة، بل استثمار اقتصادي محسوب، قوة عاملة مؤهلة تعني إنتاجية أعلى، وبالضرورة أخطاء أقل، وكذلك قدرة تنافسية أفضل في سوق إقليمي وعالمي شديد التقلب، كما أن توجيه التدريب وفق احتياجات القطاع يقلل من الهدر "وهو موجود بكثرة"، سواء في الوقت أو الموارد، ويخلق استقرارا أكبر في سوق العمل.
إننا اليوم في عالم يتغير بسرعة، وفيه لم تعد الشهادة الأكاديمية مهما ارتفع مستواها كافية، ولا الخبرة التقليدية "التراكمية المكررة" ضمانة، لكن المهارة المتجددة القابلة للتطبيق، والتعلم المستمر، والقدرة على التكيف، هي العملة الجديدة للاقتصاد الحديث، ومجلس المهارات لقطاع الطاقة والمياه يأتي ليترجم هذا التحول إلى سياسة عملية، ويمنح القطاع الخاص فرصة نادرة ليكون جزءا من الحل، لا متلقيا لنتائج الخلل، وعليه، بلا أدنى شك، فإن الاستثمار في هذا المشروع هو استثمار في استدامة القطاع نفسه، وفي اقتصاد وطني أكثر صلابة وقدرة على مواجهة المستقبل.
"الغد"