ثلاثة أيام عطلة أم تحوّل رقمي حقيقي؟
أ. د. عادل الهاشم
06-03-2026 01:26 AM
حين يُطلب منك وثيقة لإتمام معاملة ما، فتبدأ الرحلة بتنزيل نموذج من الموقع الالكتروني لمؤسسة ما وتقوم بتعبئة المعلومات المطلوبة، ثم تذهب إلى موقع مؤسسة أخرى وترفع هذا الملف لإتمام معاملتك، وتقوم بتحميل أيضًا مستندًا آخر مطلوبًا من مؤسسة ثالثة، وتصوّر هويتك ورقيًا. وفي نهاية المعاملة، يُطلب منك المستند نفسه الذي تم تحميله سابقًا، ولكن نسخة محدثة بتاريخ اليوم نفسه عند الحضور لاستلام الوثيقة المطلوبة. فهذه ليست خدمة رقمية بتاتًا وهكذا كانت تجربتي ورحلتي الاخيرة في معاملة ندعي بانها رقمية.
فالمشكلة هنا ليست تقنية من خلال إطلاق منصات، بل بإعادة هندسة الإجراءات وإلغاء جميع الخطوات الروتينية غير الضرورية. لذلك فالمشكلة إدارية وثقافية وتشريعية في الوقت نفسه. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يتم طلب بعض المعلومات على الرغم من إمكانية تبادلها بين المؤسسات دون أن يتحول متلقي الخدمة إلى ساعي بريد يتنقل بين المواقع لإتمام المعاملة؟ ففي نماذج الدول المتقدمة لا يُطلب من متلقي الخدمة وثائق صادرة عن جهة حكومية لتقديمها إلى جهة حكومية أخرى، حيث يقوم النظام بتبادل هذه البيانات أو الوثائق داخليًا وعلى مبدأ التكامل، مع استبعاد الاستخدامات الورقية، بحيث تصبح مرحلة الطباعة في نهاية إجراء المعاملة غير ضرورية أو إجبارية.
وبالمقابل وفي واقع الحال يتجدد النقاش حول زيادة العطلة الأسبوعية إلى ثلاثة أيام، أسوةً بتجارب خاضتها بعض الدول التي تختلف كليًا في واقعها الاقتصادي عن بيئة العمل في الأردن، بالإضافة إلى الفارق في التكامل في تقديم الخدمات الرقمية وجودة وسرعة الإنجاز. فهل مشكلتنا في عدد أيام العمل في الاسبوع أم في كفاءة الإجراءات المتبعة والإنتاجية في العمل؟ إن الإدارات التقليدية علميًا تسعى دائمًا لتقليل التكاليف من خلال تقليل عدد الموظفين أو عدد الأيام... إلخ، دون استخدام نماذج العمل الحديثة باستخدام التقنيات المتوفرة بالشكل الصحيح. لذلك يجب أن يكون شغلنا الشاغل هو كيف نقوم بأداء أعمالنا بشكل كفؤ، وليس كم ساعة أو يوم نعمل في الاسبوع.
فالدول التي جنت ثمار زيادة أيام العطلة من تقليل التكاليف التشغيلية والاحتراق الوظيفي وتشجيع السياحة الداخلية وغيرها، لم تبدأ في حقيقة الأمر بتقليل عدد أيام العمل، وإنما بدأت بأتمتة عمليات العمل وقياس الأداء رقميًا من خلال التحول الرقمي بشكل متكامل. وبنفس الوقت، لا يمكن نقل التجربة دفعة واحدة نتيجة للاختلاف في بيئة العمل من دولة إلى أخرى. ولتفادي المخاطر المحتملة يمكن تطبيق هذه التجربة تدريجيًا وعلى قطاعات محددة، ومعالجة القصور، ثم التفكير في تعميمها حسب المعطيات والنتائج الملموسة. ومن الناحية النظرية يحمل هذا النموذج فوائد محتملة إذا توفر تحول رقمي حقيقي على أرض الواقع، إضافة إلى ظروف اقتصادية وإدارية مناسبة.