الموقف الأخير .. حيث لا ينفع الذهول
م.شهد القاضي
13-07-2026 10:42 PM
كل الذين بررتَ لهم موقفك، واستهلكتَ عُمرك لتُثبت لهم طُهر كفّيك.. لن يقفوا في طابور شهادتك غداً.
ثمة غصّة تسكن حلوق الكثيرين، وجعٌ صامت لا يجرؤ أحدٌ على تسميته، لكننا جميعاً نشترك في اقترافه؛ إنها شهوة التبرير، ومحاولة إثبات البراءة أمام محاكم البشر الصارمة.. نركض في هذه الحياة كمن يحاول إمساك الماء بغربال، نُرضي هذا، ونستجدي ودّ ذاك، ونشرح نياتنا لثالث، ونقضم أصابع الندم لأن أحدهم أساء الظن بنا.. نستهلك حبر أرواحنا، وننزف طاقة قلوبنا في كتابة ديباجات الولاء لأشخاصٍ يملكون ممحاة قاسية، يمحون بها تاريخنا كله عند أول عثرة، أو مع أول وشاية عابرة.
لكن، هل تشرّفت يوماً بالالتفات إلى الجانب الآخر من المشهد؟ هل أدركت حجم العبث الذي نعيش فيه؟
في خفاء هذا الوجود المهيب، وبعيداً عن صخب المنصات، وجوع العيون، وظنون العابرين.. ثمة غيبٌ لا ينام.. على كتفيك تجلس حقيقة أزلية لا تُجامل ولا تغفو؛ الملائكة هناك.. هم لا يكتبون ما يراه الناس فيك، ولا يعنيهم شكل القناع الذي يطالبك المجتمع بارتدائه.. إنهم يكتبون أنينك الصامت في عتمة الليل، يدوّنون نيتك البيضاء الساذجة التي داس عليها القريبون قبل الأغراب، يوثّقون صدقك الذي سمّاه الخبثاء ضعفاً، ونقاءك الذي اعتبره الماكرون سذاجة.. لقد كَتبوا.. نعم، كَتبوا كل شيء، فرغ المداد، وجفّت الصحف، وحُزمت الأوراق، ورُفعت إلى ديوان الحسم.
وهنا تكمن الروعة الممزوجة بالرعب: القنبلة الحقيقية ليست في خذلان الناس لك، بل في ذلك اليوم الذي يرتجف فيه الكون، ويصمت الضجيج، وتتلاشى الوجوه التي كنت تخشى عتابها وتستميت لإرضائها.. هناك، في ساحة الحقيقة المطلقة، حيث لا جاه، ولا وسيط، ولا تبرير ينفع.. عند سؤال الله.. أجب!
هناك الحسم.
لن تلتفت خلفك لتبحث عن صديقٍ قديم شحذت عُمرك لتُبقيه معك فخذلك، ولا عن قريبٍ بعت كبرياءك لتشتري رضاه، ولا عن جمهور صفق لزيفك وترك حقيقتك.. ستكون واقفاً بمفردك، عارياً تماماً إلا من صدقك المخبوء.
في تلك اللحظة بالذات، سيسقط القناع عن القناع، وتنكشف العورات النفسية لكل أولئك الذين ظلموك.. سيعرف هذا العالم كم كنتَ الأصدق حين اتهموك بالزيف، وكم كنتَ الأبقى والأنبل حين ترَكوك وحيداً في منتصف الطريق، وكم كنتَ الأنقى حين تلوثتْ ظنونهم المريضة بك. ستظهر الحقيقة ناصعة كالشمس، لا شائبة فيها، وسيُدرك الجميع أنك لم تكن بحاجة لإثبات أي شيء.. سوى أن تنتظر المحكمة الكبرى.
لذلك، يا صديقي المنهك من عتاب المقربين، ويا من يمزقك خذلان الذين ظننتهم سنداً: وفر دموع التبرير، وأغلق أبواب الشرح التي لا طائل منها.. من أراد أن يراك سيئاً فليفعل، ومن أراد الرحيل فليسرع الخطى غير مأسوفٍ عليه.. لا تلوث نقاءك بمجاراة وحل ظنونهم.
الملائكة كتبت ما كتبت، والشهودُ جُهّزوا، والقاضي هو الله.. فلا تبتئس لزحام العابرين أو جحودهم.. تذكّر دائماً بقلبٍ مطمئن: أنت الأصدق، أنت الأبقى، وأنت الأنقى.. وإن لم يدركوا ذلك الآن في دار الفناء، فسيدركونه رغماً عنهم هناك.. في دار البقاء.. حيث لا ينفع الندم.