كيف نحسّن التعقيد الاقتصادي في الأردن؟
د. يوسف منصور
14-07-2026 12:32 AM
لا تكفي زيادة الصادرات وحدها للحكم على نجاح الاقتصاد. فالدولة قد تصدّر أكثر، لكنها تظل عالقة في منتجات بسيطة أو أولية محدودة القيمة المضافة، لذلك برز مؤشر التعقيد الاقتصادي، الذي طوره مختبر هارفرد للنمو، بوصفه مقياساً أعمق. يقيس المؤشر مدى تنوع المنتجات التي تصدرها الدولة، ومدى ندرة وتعقيد هذه المنتجات مقارنة بدول العالم، وكم يتطلب الإنتاج من معرفة ومهارات وتكنولوجيا وقدرات مؤسسية؟ تحصل الدولة التي تصدر منتجات متنوعة ومتقدمة تقنياً على درجة أعلى، بينما تحصل الدول التي تعتمد على المواد الخام أو المنتجات البسيطة على درجات أقل.
كان الأردن يحتل المرتبة 26 عالمياً عام 2001، ثم تراجع الى المرتبة 45 عالمياً في العام 2023. أي أن الأردن فقد نحو 19 مركزاً خلال 22 عاماً، رغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الأخرى. المقلق ليس أن الأردن يحتل المرتبة 45، بل أنه كان في المرتبة 26 ثم تراجع. وهذا يعني أن قدرات الأردن الإنتاجية لم تتطور بالسرعة التي تطورت بها اقتصادات أخرى، فتراجع ترتيبه النسبي رغم استمرار نمو صادراتها. الرسالة الأخرى هي أن الأردن يقع في منتصف الترتيب العالمي تقريباً، وأداؤه أقل من الإمكانات التي يوحي بها مستوى تعليمه ورأس ماله البشري.
الأمر الأكثر أهمية هو الاتجاه التاريخي، حيث تشير دراسات أردنية إلى أن الاقتصاد أصبح أقل تعقيداً خلال العقد الأخير. وأن تراجع موقعه النسبي يعني أن دولاً أخرى طورت منتجاتها وصناعاتها بوتيرة أسرع. لماذا حدث ذلك؟
أول الأسباب هو أن هيكل الصادرات الأردنية ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الفوسفات والبوتاس والأسمدة والألبسة والمنتجات الغذائية وبعض الصناعات الكيماوية. وهذه قطاعات مهمة وتوفر العملات الأجنبية وفرص العمل، لكنها لا تكفي وحدها للانتقال إلى مراتب عالية في التعقيد. فالمؤشر يكافئ الاقتصادات التي تصدّر الآلات، والمعدات الدقيقة، والإلكترونيات، والمكونات الصناعية، والكيماويات المتخصصة، والأجهزة الطبية، والمنتجات التي يصعب على عدد كبير من الدول إنتاجها.
ثانياً، لم ينجح الأردن حتى الآن في تحويل قاعدته التعليمية إلى قاعدة إنتاجية بنفس القوة. فالبلاد تخرّج أعداداً كبيرة من المهندسين والصيادلة والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، لكن جزءاً كبيراً منهم يعمل في الخارج أو في خدمات لا تظهر بالكامل في مؤشرات التعقيد المبنية أساساً على تجارة السلع. وهنا توجد مفارقة واضحة: الأردن يمتلك معرفة بشرية جيدة، لكن مؤسساته لا تحولها بالقدر الكافي إلى منتجات صناعية قابلة للتصدير.
ثالثاً، بقي الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار محدوداً، كما ظلت الروابط بين الجامعات والمصانع ضعيفة. ففي الاقتصادات الأكثر تعقيداً، لا تعمل الجامعات بمعزل عن الصناعة، بل تشارك في تطوير منتجات ومواد وعمليات إنتاج جديدة. أما في الأردن، فما تزال نسبة كبيرة من البحث الأكاديمي منفصلة عن احتياجات الشركات والأسواق.
رابعاً، يعاني التصنيع الأردني من صغر السوق المحلي وارتفاع بعض تكاليف الإنتاج، خصوصاً الطاقة والتمويل والنقل. كما أن الاضطرابات الإقليمية وإغلاق الحدود في فترات سابقة حدّت من قدرة الشركات على التوسع والوصول إلى أسواق جديدة. على كلٍ كان شعارنا منذ التسعينيات هو أن نتوجه نحو الأسواق المتقدمة حيث تتميز بأنها أكثر عمقاً واستقراراً من غالبية الاقتصادات في المنطقة، وهو ما لم يتحقق. إلى جانب ذلك، بقي اندماج الأردن في سلاسل القيمة العالمية محدوداً نسبياً، وهو ما قلل من فرص نقل التكنولوجيا والتعلم الصناعي المتدرج. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن مشاركة الأردن في هذه السلاسل لم تشهد تحولاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة.
خامساً، لم تتسم السياسة الصناعية دائماً بالاستمرارية والتركيز. فرفع التعقيد لا يحدث من خلال دعم جميع القطاعات بالتساوي، بل عبر اختيار مجالات قريبة من القدرات الحالية ويمكن تطويرها إلى منتجات أعلى قيمة. الأردن لا يحتاج إلى البدء من الصفر؛ فلديه قاعدة في الأدوية والأسمدة والكيماويات وتكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة. المطلوب هو الانتقال داخل هذه القطاعات من الإنتاج التقليدي إلى المنتجات الأكثر تخصصاً.
ففي الفوسفات مثلاً، ينبغي أن لا يكون الهدف زيادة تصدير الخام فقط، بل التوسع في الأسمدة المتخصصة والكيماويات الصناعية والمواد المستخدمة في البطاريات. وفي قطاع الأدوية، يمكن الانتقال من الأدوية الجنيسة إلى الصناعات الحيوية، والتجارب السريرية، والأجهزة الطبية، والمكونات الدوائية الفعالة. وفي الطاقة، يمكن تطوير مكونات أنظمة الطاقة الشمسية، والتخزين، والهيدروجين الأخضر، والخدمات الهندسية المرتبطة بها.
كما ينبغي أن ينظر الأردن إلى الصادرات الرقمية والخدمات المعرفية باعتبارها جزءاً من التعقيد الاقتصادي، حتى لو لم تظهر بالكامل في المؤشرات التقليدية القائمة على السلع. فالبرمجيات، والأمن السيبراني، والخدمات المالية الرقمية، والتصميم الهندسي، والمحتوى الإبداعي يمكن أن تصبح مصدراً مهماً للقيمة المضافة والتصدير.
المطلوب إذن ليس مجرد زيادة الصادرات، بل تغيير تركيبها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال سياسة صناعية واضحة، وصندوق تمويل للابتكار والتصنيع المتقدم، وربط الحوافز بما تحققه الشركات من نقل للتكنولوجيا وتدريب للعمالة المحلية، وتوجيه المشتريات الحكومية نحو المنتجات الوطنية المتقدمة، وإنشاء شراكات حقيقية بين الجامعات والقطاع الخاص.
إن تراجع ترتيب الأردن في التعقيد الاقتصادي ليس حكماً نهائياً، بل إنذار مبكر. فالأردن يمتلك قاعدة تعليمية وصناعية تسمح له بالتحسن، لكنه يحتاج إلى تسريع الانتقال من تصدير ما هو متاح إلى إنتاج ما هو أكثر معرفة وندرة وقيمة.
السؤال الذي ينبغي أن يوجّه السياسة الاقتصادية ليس فقط كيف نرفع قيمة الصادرات؟ بل كيف نجعل كل دينار من الصادرات يحمل معرفة وتكنولوجيا وقيمة مضافة أكبر؟ عندها فقط يتحول النمو من زيادة في الكميات إلى ارتقاء في القدرات.
الراي