أحمد العون .. رجل الثقة الذي لم تكسره الظروف ولم يتخلَّ عنه الوفاء
طارق الخوالده آل خطاب
07-07-2026 09:02 AM
في زمنٍ تتبدل فيه المواقع، وتتغير فيه الوجوه، وتختبر فيه المناصب معادن الرجال، يبقى هناك أشخاص لا يمرون في الذاكرة مروراً عابراً، بل يتركون أثراً لا يمحوه الغياب ولا تغيّره الأيام. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عطوفة الأستاذ أحمد العون، الرجل الذي لم يكن مدير مكتب عادياً، بل كان مدرسة في الوفاء، وعنواناً للإخلاص، ونموذجاً نادراً في حسن الإدارة والالتزام والانتماء.
أحمد العون ليس اسماً جاء إلى موقعه بالمصادفة، ولا رجلاً فرضته الظروف، بل رجل صنعته الثقة، وكرّسته التجربة، وشهد له من عملوا معه بأنه من طينة الرجال الذين يُعتمد عليهم في المواقف الصعبة قبل الأيام السهلة. فمنذ عام 2009، حين اختاره معالي الدكتور صبري ربيحات ليكون مديراً لمكتبه، بدأت حكاية رجل أثبت أن النجاح في إدارة مكاتب الوزراء لا يحتاج إلى صوت مرتفع، بل إلى عقل حاضر، وخلق رفيع، ووفاء لا يتبدل.
ومنذ تلك البداية، لم يكن أحمد العون مجرد موظف يؤدي مهمة إدارية، بل كان واجهة للثقة، ورجل المهمات الهادئة، وصاحب الحضور الذي يفرض احترامه بأخلاقه قبل موقعه. عمل مع معالي الأستاذ نبيه شقم، فوجد فيه الرجل الوفي المخلص، ثم واصل مسيرته مع المرحوم معالي طارق مصاروة، الذي بقي على تواصل دائم معه، لما عرفه عنه من صدق ونقاء ووفاء، فرحمة الله عليه.
ومع تعاقب الوزراء وتغير المراحل، بقيت قيمة أحمد العون حاضرة. عمل مع معالي جريس سماوي، وكان الوفاء سبباً في بقائه، ثم مع معالي الدكتور صلاح جرار، الذي أدرك أن وجود رجل بخبرة العون في إدارة المكتب ليس تفصيلاً إدارياً، بل ضرورة لمن يعرف معنى الانضباط، وحسن المتابعة، وحفظ هيبة الموقع، واحترام الناس.
ثم واصل العون مسيرته مع معالي سميح المعايطة، ومعالي الدكتور بركات عوجان، قبل أن يتعرض لإصابة عمل أبعدته فترة عن المشهد. لكن الرجال الأوفياء لا يغيبون عن الذاكرة، وإن غابوا عن المكان. فقد بقي اسمه حاضراً، وبقيت سيرته الطيبة شاهدة على رجل دفع ثمن وفائه وإخلاصه، لكنه لم يبدل طبعه، ولم يتخلَّ عن أخلاقه، ولم يعرف إلا طريق العمل النظيف والنية الصادقة.
وقد تمر على المؤسسات أسماء كثيرة، لكن القليل منهم يترك فراغاً حين يغيب. وهذا ما حدث مع أحمد العون. فغيابه عن موقع مدير المكتب لم يكن غياب موظف عادي، بل غياب رجل خبر المكان، وعرف أسراره، وأتقن التعامل مع الناس، وكان يعرف كيف يحفظ للمكتب هيبته، وللوزير وقته، وللمراجعين احترامهم.
وحين عاد معالي نبيه شقم إلى موقع الوزارة، عاد أحمد العون إلى الواجهة من جديد؛ لأن من يعرف الرجال لا يفرط بهم. فكان الاتصال واضحاً، والرسالة واضحة: رتب أمور المكتب فوراً. وهنا لا نتحدث عن تكليف عابر، بل عن ثقة متجددة برجل أثبت عبر السنين أنه أهل للمسؤولية، وأنه من الرجال الذين لا يحتاجون إلى تعريف طويل، فعملهم يتحدث عنهم.
بعد ذلك، واصل أحمد العون حضوره مع عدد من أصحاب المعالي، منهم معالي بسمة النسور، ومعالي محمد أبو رمان، ومعالي الدكتور باسم الطويسي، ومعالي علي العايد، ومعالي هيفاء النجار، ومعالي مصطفى الرواشدة. وفي كل محطة، كان الرجل نفسه: وفياً، مخلصاً، هادئاً، نبيلاً، يعرف واجبه، ويحفظ العشرة، ويصون الثقة.
إن أحمد العون يمثل نموذجاً نادراً لمدير المكتب الناجح؛ ذلك الرجل الذي يقف خلف المشهد، لكنه يصنع جزءاً مهماً من انتظامه. رجل يعرف كيف يدير التفاصيل دون ضجيج، وكيف ينجز العمل دون استعراض، وكيف يكون قريباً من الناس دون أن يفقد هيبة الموقع. لذلك لم يكن مستغرباً أن يحظى بهذه الثقة المتكررة، ولا أن يبقى اسمه مرتبطاً بالوفاء والإخلاص والنخوة.
نعم، أحمد العون من الرجال الذين يقال فيهم الكلام الطيب دون مجاملة، لأن سيرتهم تشهد لهم قبل الكلمات. رجل من أصحاب الوفاء النادر، وصاحب نخوة، وصاحب خلق، وأحد أنجح مديري المكاتب الذين مروا على هذا الموقع. وما يميزه أنه لم يتغير، لا حين كان في الواجهة، ولا حين ابتعد عنها، فبقي كما هو: وفياً لمن عرف، مخلصاً لمن عمل، صادقاً في حضوره، نبيلاً في أخلاقه.
تحية تقدير واحترام لعطوفة الأستاذ أحمد العون، الرجل الذي أثبت أن المناصب لا ترفع الرجال وحدها، بل الرجال هم من يرفعون قيمة المواقع بأخلاقهم ووفائهم وإخلاصهم.
حفظك الله أبا الوفاء، وأطال في عمرك، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، فأمثالك لا يُنسون، وسيرتك الطيبة تبقى شاهدة على رجل عرف معنى الوفاء، فعاش به، وعُرف به، واستحق احترام كل من عرفه.