هناك أماكن لا يعرفها كثيرون في المدن، ليس لأنها مخفية، بل لأنها لا تُرى إلا بمن يبحث عن لحظة مختلفة.
في دبي، وفي الليالي التي ترتفع فيها درجات الحرارة حتى يظن المرء أن المدينة كلها ما زالت تحتفظ بحرارة النهار، أذهب إلى مكان أصبح بالنسبة لي طقسًا خاصًا؛ مقهى صغير فوق سطح أحد الفنادق، في الطابق الرابع والسبعين.
وأحيانًا، حين أجد من يستحق هذه التجربة، أدعو بعض الأصدقاء إليه. ليس لأنه أفخم مكان في المدينة، ولا لأنه يقدم أفضل قهوة، بل لأنه يقدم شيئًا لا يُشترى... منظورًا مختلفًا للحياة.
وكانت للبارحة نكهة مختلفة. اجتمعنا هناك لمشاهدة مباراة إسبانيا، وكانت سهرةً جميلة بكل تفاصيلها؛ ضحكات الأصدقاء، وهدوء المكان، وإطلالة دبي الساحرة التي أضفت على اللقاء سحرًا خاصًا. واكتمل جمال الأمسية بفوز إسبانيا، لتبقى الليلة في الذاكرة، ليس بوصفها مباراة كرة قدم فحسب، بل ذكرى اجتمع فيها المكان الجميل، والرفقة الطيبة، ومتعة اللحظة.
المفارقة العجيبة أن حرارة الأرض لا تصل إلى هناك كما هي. كلما ارتفعت أكثر، أصبح الهواء ألطف، والنسيم أرق، وكأن السماء تقول لنا إن الاقتراب منها يخفف عن الإنسان شيئًا من أثقال الأرض.
من ذلك الارتفاع تبدو دبي مدينة أخرى. تختفي ضوضاء الشوارع، وتتلاشى أصوات السيارات، وتتحول الأبراج إلى لوحات مضيئة، بينما تمتد الطرق كأنها شرايين من نور. هناك يصبح الليل أكثر هدوءًا، والوقت أبطأ، والكلمات أقل، والتأمل أكثر.
أحيانًا أجلس صامتًا لساعات. أراقب الناس في الأسفل، وأفكر: كم تشبه الحياة هذا المشهد. كثيرون يعيشون في حرارة التفاصيل اليومية، وفي زحام العمل، وفي ضجيج المشكلات، بينما الحل أحيانًا ليس في تغيير المدينة، بل في تغيير زاوية النظر إليها.
علّمني الطابق (74) درسًا جميلًا: كلما ارتفع الإنسان بفكره، لا بغروره، أصبحت الرياح ألطف، والرؤية أوضح، والأشياء التي كانت تبدو ضخمة في الأسفل، تبدو أصغر من الأعلى.
وربما لهذا السبب أحب هذا المكان. ليس لأنه مرتفع، بل لأنه يذكرني بأن الارتفاع الحقيقي ليس ارتفاع المباني، وإنما ارتفاع الروح، وسعة الأفق، وقدرة الإنسان على أن ينظر إلى الحياة من مستوى أعلى.
قد يظن البعض أنني أذهب إلى هناك لأشرب فنجان قهوة، أو أحتسي الليمون بالنعناع، لكن الحقيقة أنني أذهب لأشرب شيئًا آخر... شيئًا اسمه السكينة.
ولذلك، كلما دعاني صديق إلى أن أراه، أقول له: دعنا نلتقي في (74) فمن يصل إلى ذلك المكان، لا يرى دبي فقط... بل يرى نفسه من زاوية لم يعتدها من قبل.