facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حقبة ترامب بين تصدّع الداخل واضطراب العالم


د. محمد بني سلامة
27-01-2026 01:07 AM

في أعقاب حادثة إطلاق النار في مدينة مينيابوليس، وعودة الخطاب الغاضب والمشحون إلى الواجهة، خرج كلٌّ من بيل كلينتون وباراك أوباما داعيَين الأمريكيين إلى “التحدّث بصوت عالٍ” واتخاذ موقف أخلاقي وسياسي واضح. لم تكن هذه الدعوة مجرّد تعبير عن حزن أو إدانة للعنف، بل كانت – في جوهرها – صفّارة إنذار متأخرة قليلًا، كأنها تقول للأمريكيين: تفضّلوا، هذه ليست مجرد حادثة، بل جزء من مناخٍ عامّ صار العنف فيه لغةً بديلة عندما تفلس السياسة، ويصبح الصراخ برنامجًا وطنيًا.

على الصعيد الداخلي، أحدثت قيادة ترامب شرخًا عميقًا في النسيج الأمريكي. فالولايات المتحدة التي تأسست على مبادئ الهجرة والتنوّع والانفتاح، وجدت نفسها أمام خطاب رسمي يعلن الحرب على المهاجرين، ويصنّف الناس وفق أصولهم العرقية والدينية، وكأن “الأمريكي الحقيقي” لا يكون كذلك إلا إذا كان من أصول أوروبية بروتستانتية. وكأن التاريخ الأمريكي كله كان مجرد “طلب صداقة” من أوروبا ثم تراجعوا عنه! هذا الخطاب لم يبقَ حبيس الحملات الانتخابية أو التغريدات، بل تُرجم إلى سياسات وإجراءات زادت من مشاعر الخوف والاغتراب لدى ملايين المواطنين والمقيمين، ورسّخت الإحساس بأن الدولة لم تعد مظلة جامعة، بل أداة إقصاء، وبأن الهوية الوطنية تحولت إلى بطاقة دخول يوزعها موظف مزاجي على بوابة وطنٍ يفترض أنه للجميع.

لقد شعر كثير من الأمريكيين أن أمريكا التي يعرفونها – أمريكا الحقوق المدنية، والتسامح، والحلم المفتوح للجميع – تتآكل من الداخل. تصاعدت حدة العنصرية، وتراجعت لغة الحوار، وأصبحت الانقسامات السياسية والاجتماعية أكثر حدّة من أي وقت مضى. فجأة، صار الاختلاف تهديدًا، والتنوّع “مشكلة أمن قومي”، والجار المختلف يُعامَل كأنه مشروع خطر داهم. في هذا السياق، تبدو دعوات كلينتون وأوباما بمثابة محاولة لإيقاظ الضمير الجمعي، والتأكيد على أن الصمت في لحظات الانحراف القيمي ليس حيادًا، بل تواطؤ غير مباشر… أو على الأقل جلسة مشاهدة مجانية بينما تُدار البلاد كما تُدار مباراة مصارعة لا دولة مؤسسات.

أما على الصعيد الخارجي، فإن إدارة ترامب لم تكتفِ بإرباك الداخل الأمريكي، بل أعلنت – عمليًا – حربًا سياسية ودبلوماسية على الجميع: الحلفاء قبل الخصوم، والأصدقاء قبل الأعداء، والجيران قبل البعيدين. لم تسلم من هذا النهج دول كبرى، ولا منظمات دولية، ولا حتى مؤسسات ساهمت الولايات المتحدة نفسها في بنائها بعد الحرب العالمية الثانية. بدا وكأن واشنطن قررت أن تهدم بيدها النظام الدولي الذي قادته لعقود، مستبدلة منطق الشراكة بمنطق الصفقات، والتعاون بمنطق الابتزاز، وكأن العلاقات الدولية متجرٌ كبير: من يدفع أكثر ينل “الإعجاب”، ومن يختلف يُوضع في خانة “مزعج”.

ترامب تصرّف، في كثير من الأحيان، وكأنه “مدير الكرة الأرضية”، يفرض تعريفه الخاص للمصلحة، ويعتقد أن بوسعه إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته الشخصية ومزاجه السياسي. الصورة أقرب إلى مدير شركة يرسل رسائل جماعية للعالم: “أعيدوا التفاوض الآن… وإلا!” سنواته المتبقية في السلطة – لو استمر هذا النهج – كانت كفيلة بإحداث تغييرات عميقة في خريطة العلاقات الدولية، قد تقود العالم إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار، أو تفتح الباب أمام نظام دولي أقلّ توازنًا وأكثر صراعًا، حيث تتحول القواعد إلى “خيارات”، والمواثيق إلى “آراء”، والتحالفات إلى “اشتراكات شهرية قابلة للإلغاء”.

اليوم، تقف الشعوب والقادة في المجتمع الدولي أمام تحدٍّ حقيقي: كيف يمكن التعامل مع قوة عظمى تتصرّف خارج قواعد الإجماع الدولي؟ وكيف يمكن حماية النظام العالمي من نزعة أحادية ترى في المؤسسات عبئًا، وفي القيم المشتركة عائقًا؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت جزءًا من الواقع اليومي للسياسة العالمية، وامتحانًا لقدرة العالم على الصمود أمام إدارة تتعامل مع الكوكب وكأنه مكتبٌ مفتوح بلا قانون ولا لائحة.

ما هو مؤكّد، أن العالم قبل ترامب ليس هو العالم الذي نعيشه اليوم، ولن يكون هو ذاته بعد انتهاء الحقبة الترامبية. لقد تركت هذه المرحلة بصماتها العميقة على الداخل الأمريكي وعلى صورة الولايات المتحدة في الخارج. ويبقى الرهان الأكبر معقودًا على وعي الشعوب، داخل أمريكا وخارجها، وقدرتها على “التحدّث بصوت عالٍ”، كما دعا كلينتون وأوباما، دفاعًا عن القيم، وعن عالم أكثر عدلًا وتوازنًا في مواجهة سياسة الصدام مع الجميع… لأن البديل ببساطة هو أن يواصل “مدير العالم” إدارة الكوكب بعقلية “جرّب وشوف”، وهذه وصفة لا تصلح حتى لإدارة حارة، فكيف بإدارة كوكب الكرة الارضية ؟!..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :