شوارع معان .. حين تتحول رمزية التأسيس إلى اختبار للتنمية المنسية
الدكتور محمد جرار آل خطاب
27-01-2026 10:24 AM
رغم ما تمثله مدينة معان من قيمة وطنية وتاريخية بوصفها منطلق الدولة الأردنية وعاصمتها الأولى، إلا أن واقع شوارعها اليوم يطرح تساؤلات صريحة حول موقعها الفعلي على خارطة التنمية، فبين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن العدالة التنموية، والمشهد اليومي لشوارع ترابية، وطرق متهالكة وغير معبدة، وحفر تتسع عامًا بعد عام، تتجلى فجوة يصعب تبريرها أو القفز عنها، فجوة باتت ملموسة في تفاصيل الحياة اليومية لسكان المدينة.
ليس الحديث عن شوارع معان ترفًا خدميًا أو مطلبًا ثانويًا، بل هو حديث عن أبسط حقوق المدينة وسكانها، فالبنية التحتية للطرق تمثل العمود الفقري لأي عملية تنموية، وغيابها أو ضعفها لا ينعكس فقط على حركة المركبات، بل يمتد أثره إلى السلامة العامة، وسهولة الوصول إلى الخدمات، وارتفاع كلفة المعيشة، فضلًا عن صورة المدينة وقدرتها على جذب الاستثمار، ومع ذلك، ما زال ملف الطرق يُدار بمنطق المعالجات الجزئية والوعود المؤجلة، دون خطة تنفيذية واضحة تتناسب مع حجم المشكلة المتراكمة منذ سنوات.
صحيح أن لجنة بلدية معان الكبرى باشرت تنفيذ مرحلة أولى من مشروع فتح وتعبيد عدد من الشوارع، إلا أن الاكتفاء بتسويق هذه الخطوة باعتبارها إنجازًا مكتملًا يثير تساؤلات مشروعة، فمساحة تقدر بنحو 105 آلاف متر مربع، مهما بلغت أهميتها، لا تمثل سوى جزء محدود من شبكة طرق وشوارع تعاني الإهمال منذ فترة طويلة، خاصة في ظل التوسع العمراني المتسارع الذي لم يُواكب بتخطيط وبنية تحتية قادرة على استيعابه.
الأكثر إثارة للقلق هو الحديث الرسمي عن حاجة المدينة إلى نحو عشرة ملايين دينار لإعادة تأهيل شبكة الطرق وفتح شوارع جديدة، دون أن يقترن ذلك بإجابة واضحة عن سؤال التمويل، فموازنات البلديات معروفة بمحدوديتها، والدعم المركزي يتراجع عامًا بعد عام، والقطاع الخاص غائبا، ما يجعل هذه الأرقام أقرب إلى تشخيص دقيق للأزمة منها إلى خطة قابلة للتنفيذ، وهنا تتجلى إشكالية غياب رؤية وطنية متكاملة في التعامل مع المدن خارج المركز، والاكتفاء بإدارة الأزمات بدل معالجتها جذريًا.
وفي محافظة تحتضن مشاريع كبرى في مجالات التعدين والطاقة والصناعة، يبدو ضعف مساهمة القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية أمرًا يصعب فهمه أو تبريره. فالمسؤولية المجتمعية لا ينبغي أن تبقى شعارًا يُستحضر في المناسبات والتقارير، بل يجب أن تُترجم إلى شراكات حقيقية تسهم في تحسين البيئة الحاضنة لهذه المشاريع، خاصة أن الطرق التي تعاني اليوم هي ذاتها التي يستخدمها العاملون في تلك الشركات يوميًا.
ومع دخول الأردن مئويته الثانية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن التوفيق بين خطاب وطني يستحضر تاريخ معان ودورها في تأسيس الدولة، وبين واقع خدمي لا يليق بمدينة كانت حجر الأساس في قيامها؟ إن استمرار تجاهل ملف شوارع معان لا يمس فقط جودة الحياة، بل يسيء إلى مفهوم العدالة التنموية ذاته، ويبعث برسائل سلبية لأبناء المدينة مفادها أن الرمزية تُستحضر في الخطب، لا في السياسات.
ومع ذلك، فإن تحميل لجنة بلدية معان الكبرى وحدها مسؤولية هذا الواقع يُعد تبسيطًا مخلًا وظلمًا إداريًا وتنمويًا، فاللجنة تعمل ضمن ظروف صعبة، وإمكانات محدودة، وتواجه مطالب متراكمة تفوق قدرتها على الاستجابة السريعة، ومع ذلك تحاول أن تُحدث فرقًا بما تملك من أدوات. المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الضغط عليها، بل تحويل الغضب الشعبي المشروع إلى قوة داعمة لمطالبها، وإلى أداة مساءلة حقيقية للجهات القادرة على التمويل وصنع القرار.
ولا يمكن إنكار الجهود التي تبذلها بلدية معان الكبرى ضمن الإمكانات المتاحة، غير أن الإقرار بحجم التحدي يجب أن يقود إلى مراجعة جادة لآليات العمل، وضغط حقيقي باتجاه دعم حكومي مباشر، وشراكات فاعلة مع القطاع الخاص، بدل ترك البلدية وحيدة في مواجهة ملف يفوق قدرتها، فشوارع معان ليست مجرد طرق بحاجة إلى تعبيد، بل هي اختبار حقيقي لصدق الحديث عن العدالة التنموية، وقدرة الدولة على تحويل الرمزية التاريخية إلى واقع خدمي يلمسه المواطنون، لا إلى ذكرى تُستحضر في المناسبات.
معان تستحق أكثر من الوعود، وتستحق طرقًا تليق بتاريخها وأهلها، فإلى أن تتحول الخطط إلى أفعال، والدراسات إلى مشاريع ممولة، ستبقى المدينة عالقة بين تاريخ يُستدعى عند الحاجة، وواقع خدمي لا يتغير.