المرّة الأخيرة 3 مرات: ما هو مفهوم (المرّة الأخيرة) لدى الحكومة؟
د. عبدالحميد الخرابشة
27-01-2026 05:57 PM
تؤكد الحكومة في برامجها المعلنة ورؤى التحديث الإداري والاقتصادي أن الإصلاح يبدأ من إدارة عامة كفؤة قائمة على المؤسسية واستدامة القيادات وترشيد الإنفاق المالي وتعزيز مبادئ الحوكمة والمساءلة غير أن بعض الممارسات على أرض الواقع تثير تساؤلات مشروعة حول الفجوة بين ما يُعلن وما يُطبَّق.
ومن بين هذه الممارسات ما بات يُعرف بقرارات التمديد الوظيفي المتكررة بعد سن الستين والمقرونة بعبارة (للمرّة الأخيرة) حسب قرار مجلس الوزراء الموقر وهي عبارة يُفترض أن تحمل معنى الحسم لا التأجيل والنهاية لا الاستمرار.
في إحدى الجهات الحكومية جرى التمديد لأحد المواقع القيادية في عام 2024 بقرار من مجلس الوزراء الموقر بشرط واضح يتمثل في إعداد وتنفيذ خطة إحلال وتعاقب وظيفي تضمن انتقالًا سلسًا للمعرفة وتأهيل بديل قادر على تسلّم المسؤولية علمًا بأن البديل متوفر وهو شرط ينسجم تمامًا مع فلسفة الإصلاح الإداري التي يفترض حكما ان تتبناها الحكومة.
إلا أن العام الذي تلاه 2025 شهد تمديدًا جديدًا بقرار من مجلس الوزراء مقرونًا أيضًا بعبارة (للمرّة الأخيرة) دون أن يلمس المتابعون أثرًا فعليًا لتنفيذ شرط الإحلال أو إعلانًا عن جاهزية البديل أو تقييمًا معلنًا لما تحقق خلال فترة التمديد الأولى.
ثم تكرر المشهد للعام الثالث 2026 على التوالي وايضا بقرار جديد من مجلس الوزراء الموقر وُصف كذلك بأنه (للمرّة الأخيرة)، رغم تغيّر الوقائع الإدارية ورغم أن المنطق المؤسسي يفترض أن يكون هذا الملف قد أُغلق فعليًا لا أن يُعاد فتحه بصيغة مختلفة علما بان الجهه أنهت خدمات المعني بتاريخ 8/12/2025 ليصدر قرار مجلس الوزراء الموقر التمديد بتاريخ 21/1/2026 بشكل مخالف تماما للقرارت الصادرة من المجلس التي اكدت في كل مره ( للمره الاخيره )
هذا التكرار يطرح سؤالًا جوهريًا: هل لـ(المرّة الأخيرة) أكثر من معنى في الممارسة الحكومية؟ وهل هي حدٌّ زمني ملزم، أم توصيف إداري مرن قابل لإعادة الاستخدام متى دعت الحاجة؟
إن الإصلاح الإداري الذي تسعى إليه الحكومة لا ينسجم مع حلول مؤقتة تُعاد سنويًا، ولا مع تعطيل خطط الإحلال والتعاقب الوظيفي، ولا مع رهن المواقع القيادية بالأشخاص بدل ربطها بالكفاءة والاستعداد المؤسسي. كما أن الإصلاح الاقتصادي، في ظل ما تعانيه الموازنة العامة من عجز وضغوط مالية، يفترض ضبط النفقات وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية القائمة، لا الاستمرار في مسارات استثنائية مفتوحة.
إن غياب الوضوح في مفهوم (المرّة الأخيرة) لا ينعكس فقط على ملف إداري بعينه، بل يرسل رسائل سلبية إلى الكفاءات الشابة، مفادها أن المسار الوظيفي والتأهيل والتدريب قد لا يكون كافيًا للوصول إلى مواقع القرار، وأن الاستثناء قد يتحول إلى قاعدة.
وعليه، فإن الحكومة انسجامًا مع رؤيتها الإصلاحية مطالبة بتوضيح هذا المفهوم وربط أي تمديد بآليات تنفيذ واضحة وجداول زمنية محددة ومساءلة حقيقية عند عدم الالتزام بالشروط المعلنة.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل أكثر حساسية يتعلق بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في تطبيق القرارات إذ إن الجهة ذاتها قامت بمخاطبة رئاسة الوزراء لطلب تمديد خدمة أحد موظفيها للمرة الثانية، فجاء الرد خلال يومين فقط بالرفض، استنادًا إلى أن التمديد الأول كان مشروطًا صراحة بأنه (للمرّة الأخيرة)
وهنا يطرح السؤال للحكومه الموقره : لماذا تُحترم (المرّة الأخيرة) في حالة ويتم تجاوزها في حالة أخرى داخل الإطار الإداري ذاته؟ ولماذا لا تكون (المرّة الأخيرة) قاعدة عامة على الجميع بدل أن تُطبَّق بانتقائية تفتح الباب لشبهة الكيل بمكيالين؟ أم ان الواسطه والمحسوبيه لها دور في هذا الموضوع ؟
فالإصلاح لا يُقاس بعدد الاستراتيجيات والخطط بل بمدى احترام القرار وحسم الاستثناء وتحويل (المرّة الأخيرة) إلى نهاية فعلية لا عنوان يتكرر.
حمى الله الأردن – حمى الله القيادة الهاشمية – حمى الله شعب الأردن.
* أخصائي تميز وتطوير مؤسسي
Ak2002jo@yahoo.com