الأردن وإيران: بين رسائل التطمين ووقائع التاريخ السياسي
د. محمد بني سلامة
09-03-2026 01:50 AM
أثار البيان الصادر عن السفارة الإيرانية في عمّان، والذي أكدت فيه أن الأردن "خارج دائرة الاستهداف" وأن العلاقات بين البلدين "راسخة"، جملة من التساؤلات السياسية حول طبيعة العلاقة الأردنية–الإيرانية، وحدودها، والسياق التاريخي الذي تشكّلت فيه هذه العلاقة على مدى عقود. فالبيانات الدبلوماسية غالباً ما تحمل رسائل طمأنة، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن أن تعزل نفسها عن مسار طويل من التباينات السياسية والاستراتيجية بين الطرفين.
في الواقع، لم تكن الخلافات بين الأردن وإيران وليدة اللحظة أو مرتبطة بظرف إقليمي طارئ، بل هي نتاج تراكمات تاريخية تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى فترة الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988). ففي تلك المرحلة وقف الأردن بوضوح إلى جانب العراق، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالتوازن الإقليمي والأمن القومي العربي، وهو موقف رأت فيه طهران اصطفافاً ضدها في صراعها الإقليمي.
ومع سقوط بغداد عام 2003 إثر الغزو الأمريكي للعراق، دخلت العلاقات الأردنية–الإيرانية مرحلة جديدة من التباعد. فقد نظر الأردن، كما العديد من الدول العربية، بقلق إلى تنامي النفوذ الإيراني في العراق، وما تبعه من تأثير واضح على القرار السياسي في بغداد. هذا الواقع خلق حالة من التوجس الأردني والعربي عموماً، خشية أن يتحول العراق إلى ساحة نفوذ إقليمي مفتوح، بما ينعكس على توازنات المنطقة واستقرارها.
ولم تتوقف نقاط الخلاف عند هذا الحد. فمع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تعمقت الفجوة السياسية بين عمان وطهران، حيث وقفت إيران إلى جانب نظام بشار الأسد وقدمت له دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً، في حين تبنّى الأردن موقفاً مختلفاً يقوم على ضرورة إيجاد حل سياسي يوقف المأساة السورية ويحفظ وحدة الدولة السورية واستقرارها.
كما أن التدخل الإيراني في الأزمة اليمنية وما ارتبط به من دعم لجماعة الحوثيين مثّل أيضاً أحد الملفات التي عززت حالة التباين بين إيران وعدد من الدول العربية، ومنها الأردن، التي ترى أن استقرار المنطقة يتطلب احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وفي ضوء التصعيد الإقليمي الحالي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يواصل الأردن التمسك بموقفه التقليدي القائم على رفض التصعيد العسكري في المنطقة. فالموقف الأردني ينطلق من إدراك عميق بأن أي توسع في دائرة الصراع سيقود إلى مزيد من عدم الاستقرار، ويهدد أمن المنطقة بأكملها.
وفي الوقت ذاته، يرفض الأردن أن تتحول الأراضي العربية إلى ساحات للصراع أو أن تُستخدم في إطار رسائل عسكرية متبادلة. فالأمن العربي بالنسبة للأردن يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
ومع ذلك، فإن الأردن لا يتبنى مقاربة تقوم على القطيعة مع إيران، بل على العكس، يدعو إلى خفض التوتر والانخراط في حوار إقليمي جاد يهدف إلى بناء تفاهمات متوازنة بين العرب وإيران، بما يحقق المصالح المشتركة للطرفين ويعزز الاستقرار الإقليمي.
غير أن أي مسار حقيقي للتفاهم يتطلب أيضاً معالجة جوهرية لمصادر التوتر، وفي مقدمتها مسألة التدخلات في الشؤون الداخلية للدول العربية. فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر احترام سيادة الدول، والالتزام بمبادئ حسن الجوار، والابتعاد عن سياسات النفوذ والصراعات بالوكالة.
إن رسالة السفارة الإيرانية في عمّان قد تكون خطوة في اتجاه تهدئة المخاوف، لكنها تظل بحاجة إلى ترجمة عملية على أرض الواقع. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على البيانات وحدها، بل على السياسات والممارسات الفعلية.
وفي نهاية المطاف، يبقى الأردن دولة تنتهج سياسة خارجية متوازنة تقوم على حماية مصالحها الوطنية، والحفاظ على الأمن العربي، والعمل من أجل استقرار المنطقة عبر الحوار والتفاهم، لا عبر التصعيد والمواجهة.