facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"​بين النية والأثر" حين يُساء فهم الخطاب المؤسسي


فيصل تايه
30-05-2026 09:25 AM

أثارت العبارة التي نشرتها وزارة البيئة موجة واسعة من النقاش العام، وتباينت القراءات حولها بين من رأى فيها خروجاً عن مستوى الخطاب الرسمي، وبين من اعتبرها محاولة مباشرة لتبسيط الرسالة التوعوية وإيصالها إلى الجمهور بأقصر طريق ممكن ، وبين هذين الاتجاهين، يبدو أن القضية لا تتعلق بكلمة بعينها بقدر ما تتعلق بطريقة استقبال الخطاب العام في زمن تتسارع فيه الرسائل وتتداخل فيه السياقات وتتشابك فيه مستويات الفهم.

من الطبيعي أن تسعى المؤسسات العامة اليوم إلى تطوير أدواتها الاتصالية بما يتناسب مع طبيعة البيئة الإعلامية الحديثة، التي أصبحت فيها المنافسة على انتباه الجمهور شديدة ومفتوحة، وهو تحدٍ عالمي تشترك فيه كبريات المؤسسات والحكومات اليوم؛ إذ لم يعد الاتصال الحكومي يمتلك مجال البقاء في قوالب جامدة، بل بات مطالباً بالنزول إلى الميدان الرقمي والتحدث بلغة العصر .

وفي هذا الإطار، قد تلجأ بعض الجهات إلى عبارات قصيرة ومباشرة، تُقصد منها الفاعلية وسرعة الوصول، باعتبارها جزءاً من اجتهادات تحسين الوصول لا خروجاً عن الهدف.

لكن في المقابل، فإن حسن النية في صياغة الرسالة لا يضمن دائماً وحدة الأثر أو تشابه الاستقبال. فالكلمات لا تُفهم فقط في معناها المباشر، بل تُقرأ أيضاً داخل سياقاتها الثقافية والاجتماعية والرمزية، وقد تتأثر الذاكرة الجمعية ببعض المفردات بما يمنحها دلالات أوسع من معناها اللحظي، وهو ما يفتح المجال أمام تعدد في التفسيرات، قد يبتعد بعضها عن المقصد الأصلي للرسالة دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود نية لإثارة الجدل أو خلق حالة من التوتر.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن اختيار المفردة لم يكن الأكثر توفيقاً من حيث تقدير الأثر اللغوي والاجتماعي، خاصة أن اللغة العربية تزخر ببدائل أكثر تهذيباً وحياداً في سياق الخطاب التوعوي الرسمي، بما يحقق الرسالة دون إثارة حساسية في التلقي أو فتح باب للتأويل غير المقصود، وهو ما يبرز أهمية التدقيق في الأثر بقدر العناية بالنية عند صياغة الخطاب العام.

ولعل من الإنصاف القول إن ما حدث لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية واحدة ، فمن حق المواطنين أن يتوقعوا من الخطاب الرسمي أعلى درجات الدقة والاتزان، وأن يبدوا ملاحظاتهم حين يشعرون بأن بعض المفردات لا تنسجم مع الصورة التي يريدونها لمؤسساتهم العامة.

وفي المقابل، ليس من العدل افتراض وجود نية للإساءة أو التأزيم خلف اجتهاد إعلامي هدفه الأساسي إيصال رسالة توعوية إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور، وتحويل هذا الجدل اللفظي إلى هجوم غير منصف يتجاهل طبيعة السياق الاتصالي الحديث.

وبين هذين الموقفين تتجلى الحاجة إلى قراءة أكثر هدوءاً واتزاناً، تُميز بين النوايا والنتائج، وبين المقاصد والأثر، فالمؤسسات القوية لا تُقاس بخلوها من الاجتهادات القابلة للنقاش، بل بقدرتها على الإصغاء للملاحظات والاستفادة منها، كما أن المجتمعات الواعية لا تكتفي بانتقاد الخطأ، بل تسهم في تطوير الأداء العام.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الجدل الذي أُثير بوصفه نتيجة طبيعية لتفاعل الجمهور مع الخطاب العام، لا بوصفه حكماً على النوايا أو تقويماً نهائياً للمؤسسة ، فالفضاء الرقمي بطبيعته يسرّع ردود الفعل، ويضخم التفاعل، ويجعل من أي صياغة قابلة لإعادة القراءة والتأويل خارج سياقها الأول ، وهذا ما يفرض على الخطاب المؤسسي تحدياً إضافياً يتمثل في تحقيق التوازن بين بساطة الرسالة ودقة أثرها، وبين قربها من الناس وحفاظها على وقارها؛ فالتبسيط الذكي مهارة ترتقي بالوعي والذوق العام، بينما التبسيط المفرط قد يقع في فخ التسطيح غير المقصود.

ولعل أهم ما يمكن الخروج به من هذه الواقعة أن الحوار الذي دار حولها، على اختلاف مواقفه، يعكس حيوية المجتمع واهتمامه بما يصدر عن مؤسساته العامة ، فالمواطن الذي ينتقد إنما يفعل ذلك انطلاقاً من حرصه على مستوى الخطاب الرسمي، والمؤسسة التي تسعى إلى تطوير أدواتها إنما تفعل ذلك رغبةً في الوصول إلى الناس بصورة أكثر فاعلية ، وبين الحرصين تتشكل مساحة مشتركة لا ينبغي أن تُهدر في الجدل بقدر ما ينبغي أن تُستثمر في تحسين جودة الرسالة العامة وتعزيز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي أمام الخطاب المؤسسي ليس فقط في اختيار الكلمة المناسبة، بل في إدارة أثرها في بيئة تتعدد فيها القراءات وتتسارع فيها الاستجابات ، فالمسافة بين ما يُقال وما يُفهم أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من بنية الاتصال ذاته، وليست مجرد تفصيل ثانوي يمكن تجاهله.

ومن هنا، فإن القيمة الأعمق لهذه النقاشات لا تكمن في البحث عن طرف رابح أو خاسر، بل في تطوير وعي جمعي أكثر نضجاً بالخطاب العام، يوازن بين التوقعات المشروعة للجمهور، ومتطلبات العمل المؤسسي، ويجعل من الاختلاف فرصة للفهم لا سبباً للتجاذب.

وفي هذا الإطار تحديداً، يمكن القول إن جودة الخطاب لا تُقاس فقط بما يقوله، بل بما يتركه من أثر، وبقدرته على جعل النية والأثر يلتقيان في مساحة واحدة من الفهم والتقدير المتبادل بين المؤسسة والمجتمع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :