الشيطان يكمن في الترجمة !!
محمد حسن التل
21-07-2026 07:31 PM
يقول الأمريكيون أن الإيرانيين انقلبوا على مذكرة التفاهم التي كانت تلزمهم بفتح مضيق هرمز ، والإيرانيون من جانبهم يتحدثون عن عدم التزام الولايات المتحدة بالمادة الخامسة التي تعطي الحق لهم أن يكونوا أصحاب السيادة على المضيق على الأقل خلال فترة الستين يوما المتفق عليها وهي الفترة التي كانت من المفترض أن تشهد مفاوضات تفضي في النهاية إلى اتفاق دائم بين الطرفين.
وهذا الخلاف في المفاهيم التي أدى إلى استئناف الصراع يحمل للترجمة ، وكأن الشيطان الرجيم لم يعد يكمن في التفاصيل فقط بل أيضا موجود في الترجمة ، فكلا الطرفين يدعي أن فهمه لمذكرة الاتفاق هو الصحيح ، لكن على حقيقة الواقع أن المشكلة لدى واشنطن وطهران ليست سوء الفهم للنصوص ، فالذي أدى إلى دفع الأمور لهذة المساحة الخطرة يكمن في ظرف كل طرف على مستوى الداخل ، فقد بات شبه مؤكد أن النظام الإيراني يشهد خلافات واسعة وحادة بين الحرس الثوري المتشدد والذي يبني مواقفه وخطواته على أسس ثورية ومذهبية ، وعقيدته تتمحور حول فكرة الثأر والانتقام بعيدا عن حسابات السياسة والربح والخسارة ، والسياسيون هناك يميلون للاتفاق مع الولايات المتحدة وإنهاء الحرب حماية للشعب الإيراني ومقدرات البلاد وهذا واضح من خلال تصريحات هؤلاء التي تتصاعد شيئا فشيئا وتكون أكثر صراحة مع تطور الأحداث .
الرئيس ترامب هو أيضا يعاني من ضغوط كبيرة ، فالمتشددون في دوائر السياسة الأمريكية اعتبروا أن مذكرة التفاهم مع إيران تنازلا كبيرا من جانبه وأنه حصل على أقل بكثير مما حصل عليه أوباما عام ٢٠١٥ ، حتى أولئك الذين مع الرئيس في حربه باتوا يضغطون عليه بحسم الصراع بضربة قوية تقضي على القدرات الإيرانية وتغلق الملف .
إذن على أرض الواقع الموقف على حقيقته ليس الخلاف على مفهوم كل طرف لبنود مذكرة التفاهم ، لكنه يعود إلى ظرف كل طرف وحساباته في الداخل ، كل تفاصيل هذا الواقع يتقاطع مع مصالح إسرائيل وخططها التي تهدف إلى تحويل المعركة إلى حرب شاملة تؤدي إلى إسقاط النظام في إيران وتقسيم البلاد ، وإذا دققنا بطبيعة الضربات الأمريكية الأخيرة يتبين انه من المرجح أن الإسرائيليين نجحوا إلى حد كبير بإقناع الأمريكيين بما يريدون ، فضربات الجيش الأمريكي لا تستهدف السواحل الإيرانية فقط بل أصبحت تستهدف العمق الإيراني بمساحات كبيرة جدا وتشمل المدن الرئيسية وتركز على مفاصل التواصل بين الجغرافيا الإيرانية ومحاولة تقطيعها ، والتحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة يشير أن الحرب الشاملة واقعة لأن ترامب أصبح بحاجة إلى حسم هذه الحرب قبل أن تتعمق أزمته الداخلية وتتحول من تذمر إلى معارضة حقيقية في الشارع الأمريكي بسبب الانعكاسات السلبية على الجانب الاقتصادي للمواطن هناك والتي بدأت تتصاعد بتحريض من خصومه في الكونغرس بقيادة الديمقراطيين وحتى جزء من حلفائه من الجمهوريين .
عامل آخر لا يقل أهمية يجعل من حسم الحرب ضرورة سواء على المستوى السياسي أو العسكري وهو احتمالية تدخل الحوثيون في الحرب بشكل واضح وقيامهم بإغلاق باب المندب ، ساعتها يدخل الموقف الأمريكي في مرحلة معقدة وسيتحمل الرئيس المسؤولية عن هذا التطور الخطير لأن الأصوات في واشنطن وأوروبا لا زالت تتعالى بأن الحرب التي افتعلها حرب اختيار لا ضرورة ، في المقابل الإيرانيون محشورون في الزاوية ويضربون كالأعمى البائس الذي يحاول الخروج من غرفة مغلقة ويتحرك بتخبط وهذه قمة خطورة الموقف فمن الممكن ان ينجح النظام الإيراني في إشعال المنطقة وإدخالها في دوامة يدفع الجميع ثمنها معه، وضرب دول الخليج والأردن دليل غلى هذا التخبط
الوسطاء بين الطرفين يواجهون الآن مهام صعبة فبعد شعورهم بالنشوة ساعة توقيع مذكرة التفاهم عادوا من جديد إلى قنوات التفاوض الضيقة المليئة بالمطبات .
إذا ظل ترامب مصرًا على موقفه بتحريض من نتياهو والحرس الثوري يتشبث في الدفاع عن وجوده فإننا سنشهد صراعا مفتوح على كل الإ حتمالات يهدد وجود الجميع في المنطقة حتى إسرائيل التي تدفع بهذا الصراع!!