السياحة والسياسة وبالعكس ..
هاني الدباس
28-01-2026 12:21 PM
الأكيد ان السياحة اليوم هي اكثر الأنشطة الاقتصادية تأثراً بصراعات السياسة وانعكاساتها ،فهو يتجاوز معادلات العرض والطلب، ليقدم نفسه قطاعًا عالي الحساسية للتقلبات السياسية والتوترات الجيوسياسية.
في عالم السياحة تتحول الجغرافيا مرة واحدة من إطار سيادي إلى عامل ضغط يعيد رسم حركة السفر، ويعيد تصنيف الوجهات، ويُربك قرارات ملايين السياح ، ذلك ان النشاط السياحي بطبيعته قائم على عوامل الأمان، والاستقرار الذهني، وسهولة الحركة، وهي عناصر تتآكل سريعًا عند أول إشارة اضطراب سياسي حتى وإن لم تكن مباشرة أو محلية.
يكفي أن تُدرج دولة ما ضمن نطاق إقليمي متوتر ، حتى تفقد مكانتها وملاءتها ، لتُعامل سياحيًا باعتبارها مخاطرة محتملة، لا وفق واقعها الفعلي، بل وفق صورتها في الإعلام العالمي، وهنا تنتقل السياحة من صناعة خدمات إلى رهينة للسرديات السياسية العابرة للحدود.
لا يقتصر أثر الضغط السياسي على تراجع أعداد الزوار، بل يتغلغل في عمق المنظومة السياحية، فترتفع كلف التأمين، وتضعف ثقة منظمي الرحلات، بل وتتشدد شركات الطيران في جدولة الرحلات، ما يدفع الفنادق ايضاً إلى سياسات تسعيرية دفاعية تُضعف العائد طويل الأمد؛ كما يُعاد تشكيل أنماط الطلب نحو الحجوزات القصيرة، والقرارات المتأخرة، والتركيز على أسواق محدودة، ما يُفقد القطاع تماسكه في ظل حالة عدم اليقين ، بل تفقد الدولة انذاك القدرة على التخطيط الموسمي، وتتحول الاستراتيجيات من النمو إلى الصمود، ومن التوسع إلى إدارة المخاطر والسعي نحو المحافظة على الممكن والنذر اليسير من الأنشطة .
في هذا المشهد المعقّد، يبرز النموذج الأردني، بوصفه حالة لافتة تستحق الإشادة ، إذ نشهد اليوم تشكُل علاقة صحية ومتوازنة بين وزارة السياحة والآثار والقطاع الخاص، اساسها الحوار، وتبادل البيانات، وفهم الواقع التشغيلي بعيدًا عن القرارات الانفعالية ، علاقة تعكس نضجًا مؤسسيًا في التعاطي مع الأزمة، وتُدرك أن حماية القطاع لا تكون بالشعارات، بل بالمرونة، والتكامل، وتوحيد الجهود ، ودعم استمرارية الأعمال دون المساس بجودة التجربة السياحية أو الصورة الوطنية.
هذا التقارب يعيد تعريف دور الدولة من جهة رقابية إلى شريك استراتيجي ، ويمنح القطاع الخاص هامشاً مريحاً للمناورة والتكيّف، ما يعزز القدرة على امتصاص الصدمات السياسية دون تحويلها إلى انهيارات تشغيلية ، وهو ما يؤكد أن السياحة لا تنهار بالضرورة بسبب الصراعات السياسية وحدها، بل بسبب غياب الجاهزية وضعف الشراكات .
ان الوجهات التي تستثمر في الثقة المؤسسية، وتبني قنوات تنسيق فعّالة، قادرة على تقليل أثر الضغط السياسي، وتسريع التعافي، وتجاوز اثار السياسة على السياحة ، والحفاظ على تنافسيتها في عالم لم يعد يفصل بين السياسة والسفر.