أشعلت إسرائيل النار في المنطقة منذ إنشائها عندما أصر مؤسسوها بعد اغتصابهم الأرض من أصحابها على إلغاء الحق الفلسطيني ورفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني مما فتح المجال لصراع محتدم على مدار ما يقارب القرن من الزمان، كما فتح المجال أمام أطراف متعددة لتنفيذ أجنداتها تحت يافطة الدفاع عن هذه الحقوق الأمر الذي زاد النار اشتعالا، وتولدت حرائق هددت وتهدد كل أركان أمن المنطقة واستقرارها وفتح المجال ..
لقد شكلت إسرائيل على امتداد تسعة عقود مضت ولا زالت عاملًا مركزيًا في معادلة عدم الاستقرار الإقليمي والدولي، ليس فقط بسبب الصراع القائم في فلسطين، بل نتيجة للدور الذي تلعبه كقوة عسكرية وسياسية تعمل خارج الأطر التقليدية للقانون الدولي، فسياساتها القائمة على فرض الأمر الواقع، واستخدام القوة كأداة أساسية في إدارة النزاع مع العرب، جعلتها مصدر توتر دائم في الشرق الأوسط، مع امتدادات تتجاوز حدود الإقليم.
اعتمدت إسرائيل عقيدة أمنية توسعية ترى في التفوق العسكري والردع العنيف ضمانًا لبقائها، ما أدى إلى القضاء على فرص التسوية السياسية وتحول الصراع إلى حالة مزمنة وبات هذا النهج لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل انعكس أيضا على استقرار دول المنطقة، وإبقاها في حالة حرب دائمة، الأمر الذي عمّق الانقسامات السياسية والطائفية، كما أن التدخلات العسكرية المتكررة، سواء المباشرة أو غير المباشرة، ساهمت في إعادة إنتاج الفوضى بدل احتوائها..
على المستوى الدولي، فقد أسهم استمرار الدعم غير المشروط الذي حظيت به إسرائيل من قبل الكثير من الدول الكبرى في تقويض النظام والقانون الدوليين وافقدهما هيبتهما، فالصمت عن انتهاكات القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة من قبل إسرائيل خلق حالة من ازدواجية المعايير، ما أضعف مصداقية المؤسسات الدولية، وشجّع دولًا أخرى على انتهاج سياسات مشابهة دون خشية من المساءلة، وأصبح هذا الخلل لا يهدد الشرق الأوسط فحسب، بل ينعكس سلبًا على الاستقرار العالمي ككل، والسكوت كذلك عن إمتلاك إسرائيل قوة نووية، ورفضها الانضمام إلى منظومات عدم انتشار الأسلحة النووية، خلق اختلالًا بنيويًا في ميزان الأمن الإقليمي، وفتح الباب أمام سباقات تسلح في المنطقة كإيران وغيرها قد تمتد آثارها إلى النظام الأمني الدولي.
إن خطورة إسرائيل، في بعدها الإقليمي والعالمي، لا تكمن فقط في قوتها العسكرية، بل في الدور الذي تلعبه كحالة استثنائية فوق القانون الدولي، وما يترتب على ذلك من تآكل قواعد النظام العالمي، وتعميق منطق القوة بدل منطق السياسة، ومن دون تغيير في هذا المسار، سيبقى الصراع مفتوحًا، وستظل تداعياته تهدد الأمن والاستقرار على نطاق يتجاوز حدود المنطقة بكثير.
فإلى جانب تأثيراتها المباشرة في الشرق الأوسط، امتد الأثر السلبي للسياسات الإسرائيلية إلى ساحات بعيدة جغرافيًا، ولا سيما في القارة الإفريقية ودول أخرى في العالم النامي، حيث ساهمت في إعادة تشكيل موازين النفوذ والصراعات بطرق غير مباشرة ولكن عميقة الأثر، فمن خلال توظيف أدوات الأمن، والاستخبارات، وتجارة السلاح، والتعاون العسكري الانتقائي، أصبحت إسرائيل لاعبًا فاعلًا في معادلات داخلية لدول تعاني أصلًا من هشاشة مؤسساتية ونزاعات إثنية وسياسية، ما أدى في كثير من الحالات إلى تعقيد هذه الأزمات ، كما أن انخراطها في شبكات النفوذ الدولية، وربط بعض الأنظمة بعلاقات أمنية وتقنية غير متوازنة، ساهم في تكريس أنماط جديدة من التبعية السياسية والأمنية، وأضعف فرص بناء سيادة وطنية مستقلة في عدد من الدول الإفريقية وغيرها.. وبهذا المعنى، فإن الدور الإسرائيلي لم يقتصر على كونه عنصر توتر إقليمي، بل تحول إلى عامل خلخلة في بنية التوازنات العالمية، عبر المساهمة في إعادة إنتاج منطق القوة، وتدويل الأزمات المحلية، وربطها بصراعات النفوذ الكبرى، بما يعمّق حالة عدم الاستقرار في النظام الدولي ككل .
كرة النار الإسرائيلية إن لم تجد في طريقها مصدات على الأقل لتخفف من اندفاعها، لن يكون أثرها على المنطقة والعالم فقط، فستمتد آثارها إلى أجزاء كبيرة من العالم لأن ما تقوم به اليوم حكومة نتنياهو لا يعبر عنها فقط كما يظن الكثيرون، بل هو تعبير عن المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى السيطرة على العالم وجعل إسرائيل مركز القرار العالمي، لذلك أيا ما سيكون في سدة الحكم في تل أبيب سيمضي على طريق هذا الهدف، لكن ربما تختلف الطريقة أو الأسلوب، والباحث في تاريخ الحكومات الإسرائلية منذ قيام الكيان سيستنتج ذلك، فلا يوجد في إسرائيل كما نظن حمائم وصقور فكلهم يسعون إلى ذات الهدف...
إسرائيل لم تعد تنظر لتثبيت أركانها في فلسطين فقط.. فقد دخل مشروعها في مراحل جديدة تسخر من أجلها السياسة والاقتصاد وقبلهما القوة العسكرية فمن يظن أن في أجندتها مفهوم للسلام إما واهم أو لا يريد أن يفهم!!..