كتاب دراسات مستقبلية في العلاقات الدولية لوليد عبدالحي
يوسف عبدالله محمود
29-01-2026 07:04 PM
الدكتور وليد عبد الحي كاتب وباحث اكاديمي شغل العديد من الناصب، أبلى بلاء حسنًا في دراساته التي تستشرف آفاق المستقبل بعيدًا عن الحدس والتخمين.
يؤمن هذا الباحث والمفكر البارز ان دراسة المستقبل باتت ضرورة من الضرورات العلمية التي تُعنى بالمستقبل. يذكرنا هذا الباحث اللامع بمقولة قالها ألبرت اينشتاين حين سُئل لماذا انت مهتم بالمستقبل فأجاب: "لأني ذاهب الى هناك".
في كتابه يشير د. وليد عبد الحي الى ان الدراسات المستقبلية شغلت الباحثين الذين نأوا بأنفسهم عن التنبؤ القائم على الحدس، فعصرنا الحالي مختلف عن العصور السابقة هو عصر "تقنيات ترفدها علوم الإحصاء والمنطق والفلسفة والرياضيات"". (المرجع السابق ص 5)
في مقدمة الكتاب يقول المؤلف مشيرًا الى ان "التقنيات" يصعب الحكم عليها مالم يتم نقلها للواقع التطبيقي. وفي هذا الصدد نراه يركز في كتابه على الابعاد المستقبلية للقضية الفلسطينية" هذه القضية التي –مع الأسف- لم تحظ باهتمام عربي جاد. صدق معها من صدق وعقَّها من عق، والعاقون من الأغلبية.
وفي حديثه عن "العولمة" ومساوئها حين تحييد عن النهج الإنساني "ان الواقع الدولي الحالي واقع تسعى فيه القوى المركزية لدرء "الفاسد اكثر من عنايتها بجلب المكاسب". ومع الأسف، فعالمنا الحالي بات مفكك الاوصال تتحكم فيه قوى غاشمة طردت من رحابها البعد الإنساني واخص بالذات الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا.
تناول المؤلف "مشكلة إدارة العلاقات في ظل إشكالية قياس القوة". وبصدق فإن إدارة العلاقات الدولية المعاصرة خيم عليها جبروت القوة الغاشمة. نهج لا يقيم اعتبارًا للقيم الإنسانية، نهج لا يحترم الحكم الدستوري.
انتقد د. وليد عبد الحي "غلبة المنظور الواقعي على المنظور القانوني" مما احدث خللاً كبيرًا في موازين القوى في مستويات الصراع المحلية والإقليمية والدولية.
انتقد المؤلف سلوك الرئيس الأمريكي ترمب الداعم دعمًا مطلقًا لسيادة "إسرائيل" على الأرض الفلسطينية المحتلة وعلى الجولان السوري.
ان تركيز المؤلف على عدم مشروعية فرض المنظور الواقعي على المنظور القانوني معناه ان فرص السلام العالمي تظل بعيدة المنال. معناه ان عصر الحروب الاستعمارية سيظل واقعًا على الأرض.
د. وليد عبد الحي أشار إشارة ذكية الى "توظيف البترول والغاز في العلاقات الدولية ولعل ما شهدته فنزويلا من خطف رئيسها مادورو وانتهاك سيادة بلاد على نحو مخالف للقانون الدولي خير دليل على "بلطجية" تمارس بحق دولة ذات سيادة.
وفي تناوله لإحدى اكبر الازمات العالمية المنذرة بحرب لا تبقي ولا تذر ان اشتعلت فجأة، يحدثنا المؤلف عن إمكانية "المواجهة المباشرة الإسرائيلية مع ايران". ومع انه يشير الى صعوبة هذه المواجهة في عهد الرئيس الأمريكي السابق بايدن، فإن إمكانية حدوثها محتملة جدًا في ظل حكم جمهوري بزعامة ترمب. وفي اعتقادي ان جازف هذا الرئيس المتهور بمهاجمة ايران فإن نذر حرب عالمية متوقعة، حرب لن تسلم منها القواعد العسكرية الامريكية في معظم البلدان العربية.
وفي فصل خاص بِ "مستقبل مدينة القدس" مخاطر حقيقية. يشير المؤلف وهو محق –كما ارى- الى ان "الاتجاه السائد عربيًا تبعًا للسلوك التفاوضي العربي مع إسرائيل يدل على ان الطرف العربي واصل تراجعه.
وفيما يتعلق بالشأن الفلسطيني مما يشير الى "عدم استبعاد الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لٍ "إسرائيل" من قبل بعض العرب. (المرجع السابق ص 1231)
يبقى ان أقول ان الدكتور وليد عبد الحي ادرك "ان المستقبل هو الحيز الوحيد المتاح للحركة والتغيير، فالماضي لن يحضر والحاضر قائم لا يحتمل التدخل في معطياته".
وهنا يعني ان "المستقبل هو البعد الوحيد في السلسلة الزمنية التي يمكن العمل على التحكم بها.
الدكتور وليد عبد الحي آمن ان عصرنا الحاضر يقتضي الاحتفاء بالدراسات المستقبلية بتقنياتها المختلفة. وصحيح ما ذكره الباحث من "أن الحكم على النظريات الاجتماعية والسياسية هو في قدرتها على التنبؤ لأن نتائج هذا التنبؤ هي التي تحدد مدى فهم الباحث للظاهرة موضوع بحثه". (المرجع السابق ص 6)
ومع الأسف فإن علم الدراسات المستقبلية الذي يشغل اهتمام البلدان المتقدمة لم يحظ بنفس الاهتمام لدى البلدان النامية ومنها بلداننا العربية والإسلامية.
نادرة المؤلفات العربية التي عُنيت بالدراسات المستقبلية والتي يستفيد منها طلبة الجامعات.
الدراسات المستقبلية التي ركز عليها الدكتور وليد عبد الحي تثمر اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا.
الدراسات المستقبلية هي علم اجتماعي ومنهج علمي غايته التنبؤ بالاحتمالات المستقبلية وتحديد اتجاهات التغيير وتزويد صناع القرار بأدوات تساعد في تقليل عدم اليقين وصولاً الى اتخاذ قرارات استراتيجية تخدم الحضارة الإنسانية.
إن التقليل من شأن هذا العلم المستقبلي يحول دون اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة عن الارتجال والتخمين. هو علم يختص بالمحتمل والممكن والمفضل من المستقبل. يقدم رؤى مختلفة عن المألوف، تغير في المضمون الاجتماعي والثقافي للحضارة الإنسانية.