facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الشرق الأوسط بقلب التحولات: كلفة عدم الاستقرار ومن المستفيد؟


د. حمد الكساسبة
30-01-2026 09:32 AM

لم تعد أزمات الشرق الأوسط تُفهم بوصفها قضايا محلية تخص دولًا بعينها، بل أصبحت جزءًا من تحولات أوسع في النظام الاقتصادي والسياسي العالمي. فالمنطقة باتت ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، في وقت يُعاد فيه تشكيل النظام الدولي تحت ضغط المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتراجع اليقين الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، لم يعد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط شأنًا إقليميًا فقط، بل عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي ككل.

تتمتع المنطقة بأهمية اقتصادية يصعب تجاوزها. فهي تضم نسبة كبيرة من احتياطيات الطاقة العالمية، وتمر عبرها ممرات تجارية حيوية تربط آسيا بأوروبا، وتؤثر مباشرة في أسعار النفط والتضخم العالمي. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أي اضطراب طويل في إمدادات الشرق الأوسط ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما شهدناه مرارًا خلال العقد الأخير. لذلك، فإن العبث باستقرار هذا الإقليم لا يهدد اقتصاده فقط، بل يهدد استقرار الأسواق العالمية.

غير أن هذه الأهمية لم تُترجم نفوذًا اقتصاديًا عربيًا. فمع ضعف التنسيق الإقليمي، تتحول المنطقة من شريك اقتصادي محتمل إلى ساحة إدارة أزمات. وتظهر هذه المفارقة في استمرار الحشود العسكرية، وتكرار التهديدات بالحرب، واستخدام أدوات الضغط الاقتصادي بدل الاستثمار في مسارات التنمية طويلة الأجل، ما يبقي الإقليم في دائرة عدم اليقين.

اقتصاديًا، أصبحت كلفة عدم الاستقرار واضحة. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الدول المتأثرة بالنزاعات تخسر سنويًا ما بين 2 و3 نقاط مئوية من نموها المحتمل. كما ترتفع كلفة الاقتراض وتتراجع الاستثمارات طويلة الأجل، ويتحوّل الإنفاق العام نحو الجوانب الأمنية على حساب التعليم والبنية التحتية والإنتاج. هذه الكلفة لا تُقاس فقط بما فُقد، بل بما لم يتحقق من فرص نمو ووظائف.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري حول الولايات المتحدة: هل تسمح أوضاعها الاقتصادية لها بالاستفادة من استمرار الاضطرابات؟ فالاقتصاد الأميركي يواجه ضغوطًا حقيقية، أبرزها دين عام تجاوز 38 تريليون دولار في عام 2026، إضافة إلى تضخم مرتفع نسبيًا خلال السنوات الأخيرة، وتكاليف مالية كبيرة للحضور العسكري الخارجي. وفي ظل منافسة متصاعدة من الصين، وتوترات مع حلفاء أوروبيين، تبدو قدرة واشنطن على تحويل عدم الاستقرار إلى مكاسب اقتصادية طويلة الأجل موضع تساؤل.

أما أوروبا، فهي من أكثر المتضررين من اضطراب الشرق الأوسط. فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على التضخم والنمو، كما أن أي تهديد للممرات التجارية يزيد كلفة التجارة والصناعة الأوروبية. وقد أظهرت أزمة الطاقة الأخيرة مدى حساسية الاقتصاد الأوروبي لأي خلل في الإقليم، ما يجعل الاستقرار فيه مصلحة اقتصادية أوروبية مباشرة لا تقل أهمية عن المصالح الأمنية.

وفي المقابل، لا تبدو الصين وروسيا مستفيدتين من الفوضى بقدر ما يُعتقد أحيانًا. فالصين تعتمد على استقرار المنطقة لضمان تدفق الطاقة واستمرار مبادرة الحزام والطريق، وتشير البيانات إلى أن نحو 40% من واردات الطاقة الصينية تمر عبر الشرق الأوسط. كما تحتاج روسيا إلى أسواق مستقرة لتصدير الطاقة والحبوب. وعليه، فإن أي اضطراب طويل في الإقليم يشكل عامل ضغط اقتصادي على هذه القوى، لا مكسبًا استراتيجيًا صافيًا.

وفي هذا السياق الأوسع، لا يمكن فصل اضطرابات الشرق الأوسط عن إعادة تشكيل النظام العالمي نفسه. فالعالم ينتقل تدريجيًا من نظام أحادي القطب إلى نظام أكثر تعددية، تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد والطاقة والأمن. ولم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لصناعة النفوذ، بل بات استقرار الممرات التجارية وأمن الطاقة عناصر حاسمة في موازين القوة الجديدة. كما تُظهر التطورات الأخيرة أن إدارة الأزمات بدل حلّها تُبقي التضخم مرتفعًا وتضغط على النمو العالمي، ما يحدّ من قدرة الاقتصادات الكبرى نفسها على الاستفادة من الاضطراب.

وخلاصة القول، لا يمكن الحديث عن نظام عالمي جديد أكثر توازنًا من دون شرق أوسط مستقر. فالمنطقة ليست هامشًا في الاقتصاد العالمي، بل ركيزة أساسية له. ولا يمكن بناء نظام دولي عادل وفعّال عبر إدارة الأزمات أو الحشود العسكرية، بل عبر الاستثمار في الاستقرار والتنمية والشراكات الاقتصادية. والسؤال الحقيقي اليوم ليس من يربح من الاضطراب مؤقتًا، بل من يملك الرؤية والشجاعة لتحويل الشرق الأوسط من ساحة صراع إلى ركيزة استقرار تخدم الاقتصاد العالمي بأسره.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :