هل ينتقل العالم من حروب الطاقة إلى صراعات المعادن؟
01-02-2026 07:57 AM
لم يعد الارتفاع المتسارع في أسعار المعادن عالميًا حدثًا اقتصاديًا عابرًا، ولا يمكن تفسيره فقط من زاوية العرض والطلب أو اضطرابات الأسواق، بل ما نشهده اليوم هو تحوّل جيو‑اقتصادي عميق يعيد تشكيل موازين القوة في العالم، ويشير بوضوح إلى انتقال مركز الثقل من حروب الطاقة التقليدية إلى صراعات المعادن الاستراتيجية والنادرة، بوصفها عصب الثورة التكنولوجية والصناعية القادمة.
وعلى خلاف النفط والغاز، اللذين بدأت أهميتهما النسبية تتراجع مع تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة، أصبحت المعادن الاستراتيجية والعناصر الأرضية النادرة حجر الزاوية في صناعات المستقبل؛ من الذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، وتخزين الطاقة، وصولًا إلى الصناعات الدفاعية والتكنولوجيات المتقدمة، ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل المعدن مجرد مورد اقتصادي، أم أداة نفوذ جيوسياسي وجيو اقتصادي للمستقبل؟
إن الاهتمام العالمي المتزايد بمعادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والسيليكا والعناصر الأرضية النادرة لم يأتِ من فراغ، فهذه المواد لم تعد خامات أولية فحسب، بل تحولت إلى أوراق ضغط سياسي، وأدوات تفاوض، وأحيانًا أسباب غير معلنة لصراعات إقليمية ودولية، وما نشهده اليوم من سباق محموم للسيطرة على سلاسل توريد هذه المعادن يؤكد هذه الحقيقة.
وفي هذا السياق، يزخر الوطن العربي بثروات معدنية واعدة، مثل الذهب والنحاس والزنك وعناصر نادرة اخرى تتوزع على نطاق واسع ضمن صخور الدرع العربي‑النوبي الممتد لآلاف الكيلومترات من جنوب مصروشمال وشرق السودان واريتريا واثيوبيا وعبر غرب ووسط السعودية واليمن وعمان وجنوب الاردن، ومع ذلك، لم تُترجم هذه الإمكانات من هذه المعادن والعناصر النادرة حتى الآن إلى تحقيق نهضة تعدين وصناعة تحويلية توازي حجم الموارد الطبيعية المتوفرة، باستثناء تجارب بدأت تتبلور في بعض الدول، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
إن الإشكالية في الوطن العربي لا تكمن في ندرة الموارد، بل في غياب الرؤى والاستراتيجيات طويلة الأمد، وضعف الاستثمار في البحث الجيولوجي وبناء القدرات البشرية، وتهميش التخصصات التعدينية والجيولوجية، إلى جانب الاكتفاء بتصدير المواد الخام دون تعظيم القيمة المضاف لها.
أما الأردن، الذي يُعد مخزونًا جيولوجيًا مهمًا للصخور والمعادن الصناعية والاستراتيجية، فتبرز الحاجة إلى إعادة قراءة واقعية لما يمتلكه من ثروات طبيعية. فعلى الرغم من تصنيفه الشائع كدولة فقيرة بالموارد الطبيعية، الا ان هذا الوصف لا يعكس بدقة واقعه الجيولوجي الغني، إذ يمتلك الأردن تنوعًا جيولوجيًا يتيح فرصًا لمعادن استراتيجية محتملة، منها النحاس والمنغنيز والذهب في وادي عربة، واحتمالية وجود عناصر ارضية نادرة مرتبطة بالصخور النارية الجوفية كالجرانيت أو السطحية كالبازلت، فضلًا عن عناصر مصاحبة للصخور الرملية والفوسفات وغيرها من الصخور الرسوبية، مثل عناصر اليورانيوم والليثيوم وغيرها العديد.
تكمن المشكلة الأساسية في قطاع التعدين الأردني في الفجوة بين المعرفة الجيولوجية المتراكمة وما قامت به سلطة المصادر الطبيعية قبل الغائها من دراسات وابحاث ومسوحات جيولوجية مهمة لكافة مناطق المملكة وعدم تحويلها إلى مشاريع اقتصادية مستدامة، فما تزال العديد من الدراسات والأبحاث حبيسة الأدراج، دون أن تُترجم إلى سياسات وطنية أو مشاريع إنتاجية، على الرغم من بعض الجهود التي تبذلها وزارة الطاقة والثروة المعدنية في السنوات الخمس الماضية وتوقيع بعض الاتفاقيات بهذا الخصوص.
وللوصول إلى استراتيجية وطنية شاملة للمعادن، يتطلب الأمر تبنّي رؤية متطورة ومرنة للاستثمار المستدام في قطاع التعدين بشقّيه الاستخراجي والتحويلي، والانتقال من عقلية استخراج الموارد إلى عقلية بناء قطاع سيادي متكامل، ويشمل ذلك تحديث الخرائط الجيولوجية، وتنفيذ مسوحات متخصصة وفق أولوية المناطق الواعدة تعدينياً، وربط البحث العلمي بالصناعة، وتشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية، وتأهيل وتدريب الكوادر البشرية، وتشجيع الدراسة لتخصصات هندسة التعدين والجيولوجيا التطبيقية ونشر الثقافة في هذا المجال، بالاضافة الى بناء شراكات ذكية بين القطاعين العام والخاص وشركاء إقليميين ودوليين، بما يحفظ القرار السيادي ويعزز نقل المعرفة والتكنولوجيا الى هذا القطاع الهام.
إن السباق العالمي على المعادن الاستراتيجية يجب أن يُقرأ اليوم كفرصة لا كتهديد. فالمعادن اليوم تمثل عنصرًا من عناصر الأمن الاقتصادي والسيادي، ومن يُحسن إدارتها واستثمارها، يضمن موقعه في عالم لا ينتظر المترددين.