facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الحسين إلى عبدالله… دولة تؤمن بالإنسان


د. رائد قاقيش
01-02-2026 07:58 AM

ليست عودة اللاعب الأردني عودة الفاخوري إلى المشهد الاحترافي مجرد حدث رياضي، ولا خبرًا عابرًا في صفحات الرياضة، بل مؤشرًا دلاليًا على مسار أعمق في بنية الدولة الأردنية، وعلى تحوّل تدريجي في فهم مفهوم الاستثمار في الإنسان بوصفه جوهر التنمية، وركيزة الاستقرار، وأحد أهم مصادر الشرعية السياسية في الدولة الحديثة.

فما نشهده اليوم من بروز أسماء أردنية شابة مثل يزن النعيمات، موسى التعمري، علي علوان، يزن العرب، وعودة الفاخوري، لم يعد يُقرأ بوصفه نجاحات فردية معزولة، بل أصبح ظاهرة تعكس تحوّلًا في الوعي الوطني، وانتقالًا من ثقافة الانتظار إلى ثقافة التمكين، ومن الانغلاق المحلي إلى الاحتراف الإقليمي والدولي.

هذه التحولات، وإن بدت في ظاهرها رياضية، إلا أنها في جوهرها سياسية–تنموية، ترتبط مباشرة بفلسفة الدولة التي ترى في الإنسان رأس مالها الحقيقي، وفي طاقاته مصدر قوتها الناعمة، وفي وعيه ضمانة استقرارها طويل الأمد.

منذ تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، أدرك جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، أن الدول لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالعقول المؤمنة بوطنها، وبالإنسان القادر على الصبر والتضحية وتحمل المسؤولية في أصعب اللحظات. ومن هنا جاءت عبارته الخالدة: «الإنسان أغلى ما نملك»، لا كشعار وجداني، بل كعقد سياسي وأخلاقي بين الدولة والمواطن.

وقد استطاع الحسين الباني، بحكمته وبعد نظره، أن يُجنّب الأردن رياح الانقلابات والصراعات التي عصفت بالمنطقة، وأن يحافظ على توازن الدولة وسط عواصف إقليمية متلاحقة، مستندًا إلى شرعية عميقة، وإلى علاقة ثقة متبادلة بين القيادة والشعب، وإلى حكمة هاشمية جعلت الاستقرار خيارًا استراتيجيًا لا ظرفًا مؤقتًا.

واليوم، يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين هذا النهج في مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتشابك التحديات الاقتصادية مع الضغوط الإقليمية والتحولات السياسية المتسارعة. ومع ذلك، بقي الأردن ثابتًا، متماسكًا، قادرًا على عبور الأزمات، بفضل القيادة الهاشمية التي أدركت أن استقرار الدولة لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالثقة، وبالعدل، وبالاستثمار الحقيقي في الإنسان.

ولذلك لم يتردد جلالة الملك في التعبير الصريح عن تعبه، وعن انزعاجه من غياب الإخلاص لدى بعض من يتولون مواقع المسؤولية، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة لا يمكن أن تنهض بسوء الإدارة، ولا يمكن أن تحمي استقرارها دون كفاءة حقيقية وشعور صادق بالانتماء.

فالمواطن الأردني حين يشعر أن دولته تحميه صحيًا، وتؤمّن له العلاج بكرامة، وتمنحه حقه دون وساطة أو إذلال، يتحول إلى شريك في حماية الاستقرار لا مجرد متلقٍ للخدمة. وحين يُعلَّم أبناؤه وبناته تعليمًا عادلًا يفتح أمامهم أبواب المستقبل، يصبح التعليم أداة سيادة وطنية لا عبئًا اجتماعيًا.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل الرياضة عن المشروع الوطني الأشمل. فرياضة كرة القدم اليوم لم تعد مجرد نشاط جماهيري، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة، ومنصّة حضارية تعكس صورة الدولة، وتُسهم في بناء الثقة الوطنية، وتعزيز الحضور الأردني خارجيًا.

وهنا يبرز الدور المؤسسي المتقدم لسمو الأمير علي بن الحسين، الذي تعامل مع ملف كرة القدم بعقلية الدولة لا بعقلية البطولة، وبمنهج الاستدامة لا بمنطق الإنجاز المؤقت، فأسهم في تحويل هذا القطاع إلى مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب، وصناعة الأمل، وبناء نموذج أردني محترف قابل للاستمرار.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج نماذج ناجحة فرديًا، بل في تحويل هذه النجاحات إلى سياسة عامة، من خلال تأسيس مؤسسات وطنية متخصصة تُعنى بصناعة وتصدير الكفاءات الأردنية في مختلف المجالات، باعتبار ذلك ركيزة من ركائز الاقتصاد الحديث، وأحد أعمدة الاستقرار السياسي طويل المدى.

فالدول التي تنجح في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تستهلك طاقاتها، بل التي تستثمر في إنسانها، وتحوّل قدراته إلى قوة إنتاج، ومعرفة، وتأثير.
وهنا تتجلى خصوصية التجربة الهاشمية، التي لم تنظر إلى الحكم بوصفه سلطة، بل رسالة، ولم تتعامل مع الدولة كمجرد إدارة، بل كمشروع حضاري مستمر، أساسه الإنسان، وهدفه الاستقرار، وأداته الحكمة.

من الحسين المؤسس، إلى عبدالله القائد، إلى الأمير علي صاحب الرؤية المؤسسية، تتواصل فلسفة واحدة: دولة تؤمن بالإنسان، وتراهن عليه، وتستمد قوتها من وعيه وانتمائه.

ولهذا، فإن كل نجاح أردني اليوم، في الرياضة أو التعليم أو العمل أو الفكر، ليس إنجازًا فرديًا فحسب، بل تجسيد حيّ لمعادلة سياسية راسخة:
أن الأردن بقي ثابتًا وسط العواصف، لأن قيادته آمنت بالإنسان.
فالإنسان الأردني كان، وما زال، وسيبقى…
أغلى ما نملك





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :