لماذا تقدمت دمشق وتعثرت غزة ؟
السفير محمد الكايد
01-02-2026 11:37 AM
تمر امام العالم العربي حاليا تجربتين سياسيتين متشابهتين الى حد كبير في الظروف والمنطلقات ، وبنفس الوقت تختلف كلاهما في النتائج التي افرزتها كل تجربة . فقد شهدت سوريا وغزة خلال الفترة الماضية احداثا سياسية وعسكرية مزلزلة ادت الى خلق وقائع جديدة على الارض ظهر فيها نجم دمشق سياسيا واقتصاديا وغاب عنها هلال غزة امنيا وعسكريا. وفي الوقت الذي تتشابه به الايديولوجيات والخلفيات والظروف السياسية بين كل من التجربتين ،تمكنت دمشق من انتهاج سياسة ادت في نهاية المطاف الى بدء تكريس النظام نفسه داخليا واقليميا ودوليا بينما يكتنف الغموض والترقب حالة غزة ومستقبلها الوجودي.
كما هو معلوم ، فان الخلفية الايديولوجية لكل من النظام الجديد في دمشق ونظام حماس في غزة هي ايديولوجية دينية اسلامية واحدة تشكل عقيدة النظام السياسي في كلتا الحالتين. وقد شكلت التعاليم والتفاسير الدينية في الحالتين الرافعة الرئيسة في نضالهما الذي مر بعدة مراحل قبل الظفر بالسلطة. وتم تثقيف وتدريب وتأهيل المقاتلين في كلتا الحالتين على المبادىء الدينية الجهادية ، وسادت الصبغة الدينية في التعاملات الادارية واليومية ضمن المناطق التي سيطروا عليها ، وعقدوا تحالفات اقليمية مع دولا تحكمها انظمة اسلامية منها المتشدد كما ايران ومنها البرغماتي كما تركيا. لذا، فانه يمكن القول بان الخلفية الايديولوجية لكلتا الحالتين هي صيغة واحدة حكمت عملية الانطلاق والقتال والبقاء السياسي وشرعية الوجود رغم الاختلاف في توظيف هذه العقيدة في ادارة الحكم.
كذلك تتشابه الظروف السياسية التي احاطت وكانت سائدة حين انتصار الثورة السورية مع المعطيات التي رافقت تسلم حماس للسلطة. فقد كانت الاشتباكات العسكرية والمسلحة هي العامل الحاسم في الاستئثار بالسلطة لدى كل منهما. وقد كان صحيحا ان حماس قد فازت بالانتخابات ، ولكنها استئثرت بالسلطة في غزة بعد اشتباكات مسلحة مع اجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية التي خرجت بعدها من كل انحاء القطاع. وهذا ينطبق على الثورة السورية ايضا التي عمدت الى الاساليب العسكرية للتخلص من النظام السابق وهروبه ولا تتردد في استعمال سلاحها في خلافاتها مع الخصوم السياسيين من اجل بسط سيطرة وهيبة الدولة.
وبالرغم من اللجوء إلى السلاح في الحالتين فانه لا يمكن الادعاء بانه لا يوجد تأييد شعبي للحالتين بل على العكس تماما فقد خرجت الجموع الغفيرة في دمشق للاحتفال بسقوط الرئيس السابق بشار الاسد وحظيت الثورة السورية بتأييد واسع تجلى بالمظاهرات والاعتصامات الحاشدة المؤيدة للنظام الجديد. وكذلك الحال في غزة، فقد حظيت حماس وقادتها بتأييد الغالبية من ابناء قطاع غزة قبل وأثناء الحرب ، وشكل ابناء القطاع حاضنة شعبية لحماس وقادتها وكوادرها حتى بوجود التضحيات والخسائر الكبيرة التي رافقت الحرب.
من جهة ثانية ، واجهت الحالتان نفس العدو وهو اسرائيل والاحتلال القائم والتدخلات العسكرية الاسرائيلية. فقد عمدت اسرائيل الى قصف وتدمير معظم الجيش السوري عند استلام الثوار لمقاليد الحكم في سوريا وهو ما يشبه الضربات الاسرائيلية للبنية العسكرية لحماس مع اختلاف عدد المرات وشدة القصف. كذلك تضع اسرائيل اعتبارات وشروطا قاسية تتعلق بالنواحي الامنية في علاقتها مع دمشق وغزة وتفرض جاهزية عسكرية للتعامل مع الحالات السياسية التي تتعارض مع مصالحها. كما واستهدفت اسرائيل القيادة العليا في كلا البلدين عندما قصفت القصر الرئاسي في سوريا وعندما حاولت اغتيال قادة حماس في الدوحة. ولعل القاسم المشترك الاعظم بين الحالتين إضافة إلى ما سبق هو حالة الاحتلال. فاسرائيل تحتل الجولان كما تحتل اجزاءا كبيرة من الضفة الغربية اضافة لحالة الحصار الامني الذي كان مفروضا على غزة. بعبارة اخرى، فقد واجهت التجربتين نفس البطش والغطرسة الاسرائيلية ونفس حالة الاحتلال العسكري وحالة من فرض الشروط بحكم القوة العسكرية .
من جهة اخرى، فقد تعاملت القوى الدولية وبالاخص الولايات المتحدة الامريكية مع التجربتين باعتبارهما حركات ارهابية ووجودهما يشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وقامت واشنطن بدعم المناوئين للتجربتين عن طريق استمرار الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري لاسرائيل كما قدمت الدعم العسكري لمنظمة قسد والتي اعتبرتها حليفا لها الى وقت قريب.
ومن اجل الانصاف ، هناك عددا من الاختلافات بين الحالتين ، فسوريا بلد ذات سيادة معترف بها من الامم المتحدة بينما غزة ترتبط بتعقيدات القضية الفلسطينية التي لم تشهد حلا لغاية الان. كذلك فان غزة تقع تحت الحصار الاسرائيلي المحكم والذي يشكل عاملا ضاغطا على الناس والمؤسسات داخل القطاع. اما سوريا فقد عانت من حرب اهلية طويلة ورزحت تحت حكم استبدادي طويل بين الاب والابن وسجن صدنايا خير دليل على ذلك. ولا زالت سوريا لغاية الان تعاني من عدم الاستقرار ومشاكل في حقوق الاقليات ، اضافة الى الوضع الاقتصادي الهش الذي تعيشه الان. كما اختلف حجم الدعم العسكري والتنظيمي الذي تلقته كل من دمشق وغزة من بعض القوى الاقليمية حيث كان الدعم التركي كبيرا وتمكن من ملئ الفراغ في سوريا بينما كان الدعم الإيراني لغزة في الحد الادنى ولعل الجغرافيا لعبت دورا في ذلك.
بالرغم من بعض الاختلافات هنا وهناك ، الا ان القواسم المشتركة كثيرة بين الحالتين ليبقى السؤال المهم وهو لماذا تمكنت دمشق من البدء سريعا في التخلص من كل التبعات الخطيرة التي احاطت بها خلال عام واحد من استلامها للسلطة بينما حماس لم تستطع ذلك رغم استلامها السلطة منذ عام 2007 ؟
ان الاجابة على هذا السؤال يتطلب بحثا اعمق وادق لمعرفة اسباب نجاح دمشق وتعثر غزة. وليس المقال بوارد التقليل من التضحيات التي قدمتها حماس وشهداء الشعب الفلسطيني ولا استخفاف بالشعب السوري الذي قدم الشهداء ونزح منه الملاين . ولا يمثل المقال عويلا سياسيا ولا نواحا قوميا بل محاولة تقييم السلوك السياسي للحالتين بعيدا عن الفلسفة وتوزيع التهم. فمن وجهة نظر متواضعة يمكن القول ان اختيارت دمشق السياسية كانت اكثر واقعية وادق تشخيصا من اختيارات حماس ، الامر الذي مكن الثورة السورية للانتقال من حالة الثورة الى حالة بناء الدولة في مدة قصيرة خلال اقل من عام بينما في حالة حماس بقيت العقلية الثورية تسيطر على قادتها وسياساتها منذ استلامها للحكم هناك ولغاية عملية السابع من اكتوبر. فقد انفتحت دمشق الجديدة على محيطها العربي والاقليمي والمجتمع الدولي عبر ارسال اشارات برغبتها عدم استثارة العداوات والتركيز على بناء بلدها ، وتغليب إدارة الصراع مع اسرائيل امنيا بدل الانزلاق الى مواجهات عسكرية مفتوحة ، والانفتاح على روسيا التي كانت تقصف الثوار بالطائرات.
وفي المقابل ، نجد ان حماس لم تجر اي تغيير جوهري على مواقفها السياسية وأهملت عملية بناء الدولة واستمرت في انتهاج عقلية الثورة ، ولم تبذل جهدا للالتفات الى الوضع الداخلي في غزة ربما بسبب الحصار، واعطت الاولوية لتنظيم وتدريب مقاتلي حماس وتصنيع الأسلحة، واعتبرت معيشة ورفاهية اهل القطاع تاتي بالمرتبة الثانية ، واهملت الاستثمار في تحسين علاقاتها مع المجتمع الدولي ، وسارت على سياسة محاولة الفصل بين الشعوب وقادتها عبر الانحياز الى الخطاب الثوري الجهادي . ولم تتمكن الحركة من التخلص من ارث سياسي اثقل كاهلها عبر تدوير الهزائم واستبدالها بشعارات لا تمت للواقع ، وانتهجت خطابا اعلاميا اعادنا الى الخطاب الاعلامي العربي في حرب حزيران .
ولعل اهم سبب لفشل حماس هو ابتعادها عن حضنها العربي والتحالف مع دول ومحاور غير عربية . واقتصرت علاقات حماس مع الدول الوسيطة وهي قطر ومصر نظرا لحاجتها التفاوضية الماسة للمحافظة على هذه العلاقات. وتناست حماس بعدها العربي القومي وركزت على بعدها الاسلامي ولم تتمكن من التوفيق بينهما بالرغم من سهولة الامر وهو الذي تمكنت منه القيادة السورية الجديدة التي استفادت من الانفتاح على الامة العربية والتي بدورها قابلتها بالدعم السياسي والاقتصادي عبر تسهيل اعتراف الولايات المتحدة بها والضغط على الرئيس ترامب للاعتراف بالنظام الجديد في دمشق وإلغاء قانون قيصر ، والشروع في ضخ الاستثمارات الاقتصادية لسوريا للمساعدة في بناء الرخاء الاقتصادي في الوقت الذي لا تزال فيه حماس تنتظر الفرج من ايران وحلفائها الاخرين والذين لن يأتوا ولن يكون لهم اي دور في مساعدة حماس ولا اهل غزة.
في المحصلة النهائية، لا يدعي المقال بان حماس ستنتهي كتنظيم بل يزعم انها ستبقى ضمن المعادلة الداخلية الفلسطينية ولكن هي جردة حساب وتحليل مقاربة مع دولة عربية اخرى عانت من نفس الظروف ولكنها استطاعت الانتقال من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ومن مرحلة البندقية إلى مرحلة الدولة فيما لا تزال غزة تعيش مرحلة الجهاد الأصغر وعدم تمكنها من تحويل التضحيات الى إنجازات.