لماذا تفشل الأحزاب في إصلاح نفسها؟
د. اسامة تليلان
16-02-2026 10:04 AM
أزمة غالبية الأحزاب ليست في قياداتها، ولا في نتائجها الانتخابية، ولا حتى في ضعف حضورها الشعبي. وإذا أردنا قراءة هذه الظاهرة بجدية، فعلينا مغادرة مربع هذه التفسيرات، والتوجه إلى ما هو أعمق الى البنية التنظيمية ( الأنظمة الأساسية) التي تحكم عمل الأحزاب وآليات إعادة إنتاج السلطة داخلها.
منذ مطلع التسعينيات، ومع عودة الحياة الحزبية في بيئات سياسية هشّة ومجتمعات حزبية محدودة الخبرة والتجذر، وغياب التراكم المؤسسي الطويل، صيغت الأنظمة الأساسية للأحزاب بوصفها استجابة سريعة لفتح المجال العام. لذلك حملت نصوصها سمات العمومية والمرونة الزائدة والغموض الإجرائي. ومع الزمن تحوّلت هذه السمات إلى مصدر اختلال بنيوي مزمن. ورغم مرور عقود، ما تزال كثير من الأنظمة الأساسية تعيد إنتاج المنطق ذاته، وكأنها كُتبت للحظة انتقالية لم تنتهِ بعد.
في ظاهرها، تؤدي الأنظمة الأساسية وظيفة تنظيمية: تحديد الصلاحيات، توزيع الأدوار، تنظيم العلاقات بين الهيئات، وضبط آليات اتخاذ القرار. غير أن هذه الوظيفة تبقى ناقصة حين لا تتجاوز النصوص مستوى المبادئ العامة، تاركة التفاصيل الإجرائية غائمة أو مؤجلة إلى لوائح لم تُكتب، أو لم تُعتمد، أو لم تُلزم أحدا. عند هذه النقطة يتحول النظام من إطار مؤسسي واضح إلى نص قابل للتأويل، ويصبح العمل الحزبي خاضعا للتفسيرات وليس للقواعد الملزمة.
غير أن الخلل لا يكمن في الغموض وحده، وإنما أيضا في الوظيفة التي يؤديها هذا الغموض. ففي كثير من الحالات لا يكون النص التنظيمي غامضا مصادفة، ولكن قابلاً للتأويل عمداً أو بحكم السياق، بما يسمح بإدارة التوازنات الداخلية وتجنب الحسم المؤسسي وتأجيل الصراعات بدل حلّها. وهكذا لا يفشل النظام رغم غموضه، بل ينجح – من منظور السلطة الداخلية – بسببه، لأنه يتيح توسيع الصلاحيات حين يلزم، وتعطيل الإجراءات حين تقتضي المصلحة، وإعادة تفسير القواعد وفق ميزان القوى القائم.
ومع الوقت يصبح النظام الأساسي ذاته أداة للصراع أو للهيمنة، وليس إطارا لتنظيم الاختلاف. ولا تعود المشكلة في الأشخاص بقدر ما تكمن في قدرة البنية على تمكين من يمتلك القرار من توسيع سلطته أو تعطيل ما لا يخدم موقعه.
في مثل هذه البيئة، حتى عندما تظهر لجان للمراجعة والتقييم كلما دخل الحزب في أزمة، بوصفها محاولة إصلاحية متكررة. وتُنجز تقارير رصينة تتضمن توصيات حول الحوكمة، وتطوير الهياكل، وتعزيز الشفافية، وبناء القدرات التنظيمية. لكن توصياتها، مهما بلغت جودتها، تصطدم بحقيقة أن تنفيذها يتطلب تعديل النصوص، وهذا التعديل يحتاج إلى آليات واضحة وإرادة مؤسسية مستقرة، بينما تكون الآليات غائبة أو غامضة أو خاضعة لموازين قوى متغيرة. وهكذا تتحول التوصيات من أدوات تغيير إلى وثائق مرجعية، ويصبح الإصلاح خطابا يُستدعى عند الأزمات… وليس مسارا مؤسسيا قابلا للتنفيذ. اليس هذا ما حدث في بعض الأحزاب.
ومع تكرار هذه الدورة، تتآكل الثقة بجدوى المراجعة نفسها، ويتحوّل الإصلاح من عملية تراكمية إلى طقس يُمارَس لاحتواء الأزمات وليس لمعالجتها، فتظل البنية على حالها، وتبقى الاختلالات التي استدعت المراجعة قائمة كما هي.
والأهم أن الأحزاب في البيئات الهشة تطوّر آليات للبقاء أكثر مما تطوّر آليات للتحديث. فالإصلاح المؤسسي العميق قد يهدد التوازنات الداخلية، ولذلك يُقاوَم بنيويا حتى حين يُعلن الالتزام به. وبدلاً من الإصلاح الجذري، يجري إنتاج سلسلة من الإجراءات التي تدير الأزمة دون حلّها: وثائق إصلاح، مؤتمرات تنظيمية، تعديلات شكلية. هذه ليست إصلاحاً بقدر ما هي إدارة مؤسسية للأزمة.
إصلاح الأحزاب لا يبدأ بتغيير القيادات وحدها، وإنما بإعادة بناء القواعد المؤسسة للعمل الحزبي. و هذا يتطلب بناء أنظمة أساسية دقيقة تعالج هذا الخلل البنيوي في أربعة مستويات مترابطة. أولها غموض توزيع الصلاحيات، حيث تتقاطع اختصاصات الهيئات القيادية والرقابية دون حدود دقيقة، ما يسمح بتغوّل جهة على أخرى تحت ذرائع تنظيمية.
ثانيها غياب اللوائح التنفيذية الملزمة، الأمر الذي يحوّل النصوص إلى مبادئ عامة غير قابلة للتطبيق المباشر. ثالثها هشاشة آليات التقاضي الحزبي الداخلي، سواء بسبب غموض الإجراءات أو تبعيتها الهيكلية، ما يجعل اللجوء إليها غير فعّال ويترك النزاعات التنظيمية عالقة أو مسيّسة. ورابعها تداخل السلطة التنفيذية بالرقابية، وهو تداخل يقوّض فكرة الرقابة ذاتها ويحوّلها إلى إجراء شكلي.
فالمأسسة هي شرط بقاء الحزب ذاته، وشرط تحوله من إطار شبكي هش إلى مؤسسة سياسية قادرة على الاستمرار والتأثير. وهذا ربما ما كان يجب ان تتضمنه مخرجات منظومة التحديث السياسي لحماية مخرجاتها المتقدمة في قانون الأحزاب والانتخاب من فشل الأحزاب في إصلاح نفسها.
في النهاية، لا تكمن الأزمة في عدم وجود أنظمة أساسية، ولكن في طبيعتها: هل هي نصوص إجرائية تنظّم السلطة، أم نصوص عامة تترك السلطة بلا تنظيم؟ عند هذا الحد الفاصل يتحدد إن كانت الحياة الحزبية قادرة على التراكم، أم محكومة بالدوران في حلقة الفشل ذاتها.