وجهة نظر بالنشاط الحزبي في الأردن
حسان سلطان المجالي
16-02-2026 11:59 AM
في سياق دولة مثل المملكة الأردنية الهاشمية يفترض أن لا يُفهم النقاش بين اليمين واليسار والوسط بوصفه صراعاً على تعريف الوطن، بل بوصفه جدلاً حول أفضل السبل لخدمته ، غير أن الخلط بين الاختلاف السياسي ومفهوم الوطنية هو ما يُنتج أحياناً توتراً غير مبرر، وكأن التيارات الفكرية تتنازع على (ملكية) الانتماء ذاته.
اليمين في جوهره تجده كثيراً ما يميل إلى المحافظة والاستقرار وتعزيز البنى الاجتماعية التقليدية ، أمّا اليسار فتجده ينحاز إلى العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الفرص وتوسيع دور الدولة في حماية الفئات الأضعف ، وكلاهما حين يتحرك (ضمن الإطار الدستوري) فإنه لا يخاصم الوطن ، بل يختلف في ترتيب الأولويات والوسائل ، لذلك فإن الخلاف هنا يكون سياسي برامجي وليس وجودي..
أما الوسطية أو الأحزاب الوسطية فلا ينبغي النظر إليها كتيار يقف في مواجهة الطرفين ، أو كصيغة رمادية تفتقر إلى الموقف ، ففي التجربة الأردنية تبلورت الوسطية بوصفها منهجاً لإدارة التوازنات ، وليس لإلغاء التنوع ، وهي ليست نفياً لليمين أو اليسار بقدر ما أنها محاولة لضبط الإيقاع بينهما ضمن سقف وطني جامع ، يحول دون انزلاق الاختلاف إلى استقطاب حاد ،،، لذلك نجد أن الإشكال يبدأ حين تتحول الوطنية من إطار جامع إلى أداة فرز أخلاقي ، وذلك حين يُقدَّم الاختلاف في السياسات على أنه تشكيك في الانتماء ، أو يُصوّر الاجتهاد السياسي وكأنه خروج عن الصف ، هنا يتبدل النقاش من (كيف نخدم الوطن..؟) إلى (من الأجدر بالوطن..؟) وهذه نقلة خطرة على أي حياة سياسية.
إن خصوصية الأردن تكمن في أن مرجعيته الوطنية الجامعة والتي ظلت عبر عقود أقوى من الاستقطاب الأيديولوجي ، ولم يتشكل انقسام حاد حول هوية الدولة أو شرعيتها ، بل بقي الخلاف (في معظم مراحله) ضمن حدود النقاش حول الأداء والإصلاح والتوازن بين الاستقرار والتغيير ، وهذا ما جعل الوسطية أقرب إلى ثقافة سياسية عامة ، لا إلى حزب مقابل أحزاب.
وعليه، فإن القول بأن الفكر الوسطي مناقض لليمين أو اليسار إلى حد الصدام في مفهوم الوطنية هو قول لا يستقيم مع طبيعة التجربة الأردنية ، ذلك لأن الصدام لا ينشأ من التعدد ، بل من احتكار الحقيقة ،، أما حين تبقى الوطنية مرجعية مشتركة ، فإن التباين يصبح علامة حيوية سياسية وليست تهديداً لكيان الدولة.
فالاختلاف في الوسائل لا يعني اختلافاً في الانتماء ، والتنوع في الرؤى لا يلغي وحدة الهدف ، لذلك فإنه في دولة تدير توازناتها بحكمة ، تبقى الوطنية إطاراً أوسع من أي تصنيف ، وأعلى من أي شعار.
وحفظ الله الأردن وأهله وقيادته بكل خير .
* مستشار قانوني