السردية الأردنية .. من كتابة التاريخ إلى هندسة المستقبل
حسن عبدالحميد الرواشدة
09-02-2026 02:25 PM
ليست السردية الوطنية ترفًا فكريًا، ولا تمرينًا أكاديميًا في استعادة الماضي. السردية، في لحظات التحوّل الكبرى، تتحوّل إلى أداة سياسية بامتياز، وإلى مشروع دولة، وإلى عقد غير مكتوب بين المجتمع ونفسه أولًا، وبين المجتمع والدولة ثانيًا. من هنا، فإن الحديث المتجدد عن السردية الأردنية لا ينبغي أن يُختزل في كتابة التاريخ أو إعادة ترتيبه، بل يجب أن يُقرأ باعتباره محاولة واعية لإعادة تعريف الحاضر، ورسم ملامح المستقبل.
الدول لا تطلق السرديات حين تكون في ذروة استقرارها فقط بل كثيرًا ما تفعل ذلك عندما تشعر أن المجتمع يواجه تحديات أو أن الأسئلة الكبرى باتت بلا إجابات جامعة. في هذه اللحظات تبحث الدول عن فكرة كبرى، عن مشروع جامع يعيد دمج المجتمع، ويمنحه معنى مشتركًا ويخلق شعورًا بأن الجميع شركاء في قصة واحدة لا متفرجون على مسرح متعب.
الأردن اليوم ليس استثناءً من هذا السياق العالمي. نحن نعيش في إقليم مضطرب، وتحت ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة، وفي زمن تآكلت فيه السرديات الكبرى لصالح هويات فرعية، أو غضب فردي، أو شعور عام باللايقين. هنا بالضبط، تصبح السردية الأردنية فرصة سياسية وثقافية لا مجرد مشروع أرشفة وطنية.
السردية بمعناها الأعمق، ليست ما حدث فقط بل لماذا حدث، وكيف نقرأه، وما الذي نريده أن يعني لنا اليوم، وماذا نريد أن نفعل به غدًا. هي إعادة تنظيم للذاكرة الوطنية، ليس بهدف التقديس أو التجميل فقط بل بهدف الفهم والبناء. وهي في جوهرها فعل اختيار، ماذا نضع في قلب القصة؟ ومن هم أبطالها؟ وما هي القيم التي نقرر أنها غير قابلة للتفاوض؟
المطلوب منا اليوم هو تحويلها إلى مشروع وطني مفتوح يصبح فيه كل مواطن جزءًا من السرد، وصاحب مصلحة فيه، وبذلك نكون أمام نقلة نوعية في مفهوم الوطنية نفسه. السردية هنا تُبنى من تفاعل الدولة مع المجتمع، ومن اشتباك الأجيال مع تاريخها وأسئلتها.
سياسيًا، يمكن للسردية أن تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. دولة لا تقول فقط هذا ما كنا عليه، بل تقول هذا ما نريد أن نكونه معًا. سردية تُعيد الاعتبار لفكرة الدولة كإطار جامع لا كجهاز إداري فقط وبالقدرة على حماية الهوية الوطنية في عالم مختلف.
اقتصاديًا، ليست السردية خطابًا معلقًا في الهواء. هي يمكن أن تتحول إلى رافعة للتنمية، عبر ربط الاقتصاد بالهوية وبالمكان وبالقصص المحلية. من السياحة الثقافية إلى الصناعات الإبداعية إلى الاستثمار في الإرث غير المادي تصبح السردية جزءًا من نموذج اقتصادي يرى في الهوية موردًا لا عبئًا، وفي الخصوصية فرصة لا عائقًا.
تعليميًا، السردية هي ما يُدرّس لا بوصفه مادة للحفظ، بل كمنهج للتفكير. تعليم لا يلقّن الطالب تاريخًا منتهيًا، بل يدرّبه على طرح الأسئلة، لماذا اتخذت الدولة خيارات معينة؟ كيف تفاعلت مع محيطها؟ ما الذي نجح؟ وما الذي أخفق؟ وكيف يمكن لجيل جديد أن يضيف فصلًا مختلفًا إلى القصة؟
ثقافيًا، السردية هي مساحة اعتراف بالتعدد داخل الوحدة. لا تلغي الفروقات ولا تخاف من التنوع لكنها تضعه داخل إطار وطني جامع. هي سردية لا تُقصي ولا تُخَوّن ولا تُبسط التاريخ بل تعترف بتعقيده وتحوّله إلى مصدر قوة لا ضعف.
التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في العبور من الأزمات إلى الاستقرار، لم تفعل ذلك بالقوانين وحدها، ولا بالإجراءات الاقتصادية فقط بل بإعادة بناء قصة وطنية مقنعة. قصة يقول فيها المواطن، أنا أفهم من أين جئنا، ولماذا نحن هنا، وإلى أين نذهب.
في هذا التوقيت بالذات، قد تكون السردية الأردنية هي المشروع الجامع الذي نحتاجه. ليس كحملة إعلامية ولا كشعار سياسي عابر بل كمشروع طويل النفس، يُعاد من خلاله تعريف معنى أن تكون أردنيًا في عالم متغيّر، ومعنى الدولة في زمن الشك، ومعنى الانتماء في زمن التآكل.
السردية، في النهاية، ليست قصة تُروى… بل طريق نختاره جميعا لهندسة مستقبلنا.