هل يحق للأردن الانضمام لمجالس دولية جديدة دون موافقة البرلمان؟
07-02-2026 06:07 PM
عمون - المحامي أسامة موسى البيطار - مع تصاعد الحديث عن أطر ومجالس دولية جديدة لمعالجة ما بعد الحرب في غزة، يبرز نقاش دستوري مشروع في الأردن لا يتعلق بالأشخاص ولا بالمواقف السياسية، بل بالمسار الدستوري الواجب اتباعه عند الانخراط في التزامات دولية جديدة.
فالسؤال الحقيقي ليس من يقرر، بل كيف يُتخذ القرار، وتحت أي مظلة دستورية ومؤسسية، بما يضمن الشرعية الداخلية ويحصّن الموقف الأردني خارجيًا.
هذا السؤال ليس تقنيًا ولا شكليًا، بل يمسّ جوهر العلاقة بين القرار السياسي والشرعية الدستورية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمبادرات دولية تحمل أبعادًا سياسية وأمنية ومالية، وتؤسس لالتزامات طويلة الأمد.
وفقًا لأحكام الدستور الأردني، وتحديدًا المادة (33)، فإن أي اتفاق أو التزام دولي يترتب عليه أعباء مالية على الخزينة، أو يمس السيادة، أو يتصل بالسياسة الخارجية، لا يصبح نافذًا إلا بعد موافقة مجلس الأمة.
العبرة هنا ليست بالتسمية السياسية أو الإعلامية—مجلس، منتدى، إطار، أو مبادرة—بل بالمضمون والآثار القانونية.
فكل إطار دولي يُنشئ التزامًا، أو يُدخل الدولة في منظومة قرار فوق وطنية، يُعد من منظور دستوري اتفاقًا دوليًا، ولا يجوز تمريره باعتباره مجرد “مشاركة سياسية” أو “تفاهم غير ملزم”.
هذا النقاش الدستوري يتقاطع اليوم مع تحوّل أوسع في النظام الدولي.
فلم يعد السؤال المطروح عالميًا هو كيف نُنهي الحروب، بل من يملك حق إدارة السلام بعدها.
الإعلان عن اجتماعات ومجالس دولية جديدة لمعالجة مستقبل غزة، خارج الإطار التقليدي لمجلس الأمن، يعكس تحوّلًا واضحًا في أدوات إدارة النزاعات، وانتقالًا من الشرعية الأممية الجامعة إلى نماذج محدودة العضوية، تقودها قوى كبرى بذريعة أن المؤسسات الدولية باتت بطيئة أو معطّلة.
هذا التبرير قد يكون مفهومًا سياسيًا، لكنه إشكالي قانونيًا.
فالقانون الدولي لا يقيس الشرعية بسرعة الإنجاز ولا بحسن النوايا، بل بسؤالين جوهريين
من خوّل هذه الجهة؟ وتحت أي رقابة ومساءلة تعمل؟
في حالة غزة، لا نتحدث عن وقف إطلاق نار فقط، بل عن إعادة إعمار، إدارة مدنية، أمن، حقوق سكان، ومسؤوليات قانونية عن مرحلة ما بعد الحرب.
وأي إطار لا يحدد بوضوح مرجعيته القانونية وحدود سلطته وآليات مساءلته، قد يتحول من حل مؤقت إلى مشكلة مؤجلة.
غزة ليست ساحة نزاع عادية، بل حالة اختبار حقيقية للنظام الدولي.
فإذا أُديرت مرحلة ما بعد الحرب خارج الأطر القانونية المتفق عليها، فإن الرسالة التي تُبعث للعالم خطيرة:
أن الشرعية يمكن تجاوزها متى امتلكت القوة أو النفوذ.
وهنا لا يعود السؤال: هل سينجح هذا المجلس أو ذاك؟
بل: ما الثمن الذي سيدفعه القانون الدولي إن نجح خارج إطاره؟
بالنسبة لدولة مثل الأردن، فإن هذه التحولات تفرض موقفًا بالغ الدقة.
فالأردن ليس دولة نفوذ عسكري، لكنه دولة مصداقية قانونية وسياسية، بنت حضورها الإقليمي على احترام الشرعية الدولية، لا على تجاوزها.
ومن هذا الموقع، يصبح الدور الأردني الأهم ليس في رفض المبادرات، ولا في الانخراط غير المشروط فيها، بل في إعادة ضبط البوصلة القانونية ربط أي مسار جديد بالقانون الدولي الإنساني، ضمان ألا تتحول إعادة الإعمار إلى أداة نفوذ سياسي، وحماية حقوق المدنيين من أن تُدار بمنطق إداري صرف.
لماذا المسار الدستوري مهم سياسيًا؟
الالتزام بالمسار الدستوري لا يقيّد السياسة الخارجية الأردنية، بل يعززها.
فموافقة مجلس الأمة تمنح أي التزام دولي شرعية داخلية، وتحمي الدولة من الطعن، وتقوّي موقفها التفاوضي خارجيًا.
ان الدولة التي تدخل الالتزامات الدولية بغطاء دستوري كامل، تدخل أقوى .