اين ذهب صُنّاع المستقبل في بلدي؟ هل جُبِنوا أم سُلِبت إرادتهم؟
د. بركات النمر العبادي
16-02-2026 10:26 AM
في زمن الرويبضة ، يُطرح سؤالٌ مؤلمٌ بعمق: أين ذهب صُنّاع المستقبل من أبناء هذا الوطن؟ أولئك الذين كنا نراهم مشاعل للأمل ، حَمَلةً للمسؤولية ، وحرّاسًا للمصلحة العامة ؟ هل غابوا أم أُقصوا ؟ هل جُبِنوا أم سُلِبت إرادتهم بفعل فاعل ؟ وهل في تغييبهم مصلحة للدولة ومؤسساتها ، وعلى رأسها مؤسسة العرش؟!
الرجال الذين يُعوّل عليهم في بناء الأوطان لا يُصنعون في غرف الاجتماعات ولا في دورات العلاقات العامة ، فصناعة الرجال ليست مصادفة ، بل في الميدان ، في مواجهة التحديات ، وفي كلفة اتخاذ القرار، هم أولئك الذين يرفضون أن يكونوا أدوات طيّعة في يد المصالح ، ولا يقبلون التلون وفق ظرف أو منصب أو مصالح “الشلّة”.
هؤلاء ، إما أُقصوا لأنهم أكثر صدقًا من أن يُداروا ، أو اعتزلوا لأنهم لم يجدوا بيئة تحفظ لهم قيمتهم ، أو صمتوا لأن الكلمة أصبحت تُحسب لا بميزان الحكمة، بل بميزان الولاء الأجوف!
في المشهد اليوم ، نرى من تَصدَّروا مواقع المسؤولية لا يُشبهون أولئك الذين بنوا الدولة الاردنية وأسّسوا نهجها ، نرى من يسترضي الجمهور لا من يواجهه بالحقيقة ، ومن يجمّل الواقع لا من يُصلحه ، ومن يتبع لا من يقود ، وهنا يصبح ادراك الفرق بين رجال الكرتون ا وصُنّاع القرار فيصبح من السهل التمييز بينهما . هل هؤلاء صُنّاع قرار ؟ أم رجال من كرتون ، هَشّون، لا يُمسكون بزمام المبادرة ، ولا يحملون مشروعًا وطنيًا حقيقيًا ؟
هنا ، لا بدّ من طرح السؤال الصعب: هل الدولة ، بمؤسساتها ، اختارت تغييب هذا النوع من الرجال ؟ في مرحلة ما ، تم الترويج لفكرة “التكنوقراط” كحل ، لكننا لم نحصد إلا إدارات هشة بلا روح ، ووزراء بلا رؤية ، ومجالس بلا مواقف ، أُقصيت النماذج الوطنية الصلبة ، تحت ذريعة “عدم المواكبة” ، وفتح المجال لمن يتقن لغة التبرير لا التغيير.
فهل من مصلحة مؤسسة العرش أن يغيب هذا العنصر؟ بالتأكيد لا. فاستقرار الدولة وشرعيتها وهيبتها لا يُصان إلا بوجود رجال أقوياء بالحق، أمناء على المصير، يُعززون الثقة لا يبددونها، يحترمون الناس لا يتعالون عليهم، يَحكمون بالعدل لا بالمصالح.
الطريق للعودة يبدأ بالصدق
إذا أردنا استعادة صُنّاع المستقبل ، فعلينا أولاً أن نُعيد الاعتبار للهوية الوطنية ، والمصلحة العامة ، وقيمة الموقف الحر. علينا أن نُعيد تعريف “رجل الدولة” لا على أساس كم عدد سنوات خدمته ، بل ما الذي صنعه ، وما الذي ضحّى من أجله.
كما أن مكافحة الفساد ، ووضع قانون حازم للكسب غير المشروع ، ليس خيارًا سياسيًا بل شرط وجود. فالأوطان لا تُبنى بالرماديين ، بل بأصحاب البصيرة ، والمواقف ، والشجاعة.
وعليه فالأمل لم يمت، لكنه يُعاني ، وصُنّاع المستقبل لم يُفقدوا ، لكنهم ينتظرون من يُنصت لنبضهم ، ويمنحهم فرصة حقيقية للمساهمة ، والوقت لم يتأخر بعد ، لكن الإرادة السياسية الجادة هي من ستحسم إن كان لنا مستقبل بأيدينا ، أم سنبقى رهينة رجال من ورق او كرتون .
وختاما، صُنّاع المستقبل لم يختفوا ، بل أُقصوا أو صمتوا ، فالوطن لا يُبنى بالولاءات الهشّة ولا بالمناصب المؤقتة ، بل برجال مواقف لا يتغيرون عند العاصفة فإعادة الاعتبار للضمير الوطني والموقف الصادق ليست رفاهية… بل ضرورة وجود. وإن لم نُحسن اختيار الرجال اليوم ، فلن نجد من يحمي الغد.
حمى الله الاردن