facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التبرع بالأعضاء بين البيروقراطية والمعاناة


فيصل سلايطة
16-02-2026 10:28 AM

يمثل التبرع بالاعضاء إشكالية صحية وإنسانية ملحّة في الأردن، حيث تتقاطع الحاجة الطبية العاجلة مع التعقيد الإداري والتردد ، فينتج عن ذلك ضياع فرص إنقاذ حياة مرضى ينتظرون على قوائم طويلة لزراعة الأعضاء.

في حالات الوفاة الدماغية الناتجة عن الحوادث المفاجئة، تكون النافذة الزمنية المتاحة للاستفادة من الأعضاء قصيرة وحاسمة، وأي تأخير في اتخاذ القرار أو تفعيل الإجراءات يؤدي إلى تلف الأعضاء وفقدان إمكانية استخدامها. ورغم وجود استعداد مجتمعي متزايد لفكرة التبرع بعد الوفاة، فإن غياب نظام وطني رقمي موحّد يتيح توثيق رغبة الأفراد مسبقًا، ويربط المستشفيات بقاعدة بيانات مركزية للمرضى المحتاجين، يجعل هذا الاستعداد غير قابل للتحول إلى ممارسة فعلية منظمة.

إن استحداث منصة وطنية قانونية للتبرع بالأعضاء، مرتبطة بالسجلات المدنية، من شأنه أن يحوّل القرار الفردي إلى إجراء مُلزم وواضح عند تحقق شروط طبية محددة. عند وصول مريض في حالة وفاة دماغية مؤكدة، يمكن تفعيل بروتوكول طبي وقانوني يضمن إبلاغ ذوي المتوفى بشفافية واحترام، مع توضيح رغبته المسبقة إن وُجدت، ثم التنسيق الفوري مع الجهات المختصة لتحديد المرضى الأكثر توافقًا من الناحية المناعية والطبية. هذا المسار لا يختصر الوقت فحسب، بل يعزز العدالة في توزيع الأعضاء، ويحد من الاجتهادات الفردية التي قد تفتح الباب للشكوك أو الممارسات غير المنضبطة.

تجارب الدول التي طورت أنظمة وطنية فعّالة تشير إلى انخفاض معدلات الوفيات بين مرضى الفشل العضوي النهائي، وارتفاع مستويات الثقة بالمؤسسات الصحية، نتيجة وضوح الإجراءات وشفافيتها.

في المقابل، يضطر مرضى في الأردن إلى البحث عن فرص زراعة الأعضاء خارج البلاد، متحملين تكاليف مالية باهظة ومخاطر صحية إضافية، فقط بسبب بطء الإجراءات المحلية أو عدم توفر متبرعين ضمن نظام منظم. هذه المعاناة اليومية لا تقتصر على الجانب الطبي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية، حيث يعيش المريض وأسرته حالة انتظار دائم قد تنتهي بفقدان الأمل.

تظهر القيمة الإنسانية للتبرع بالأعضاء في حالات موثقة لأشخاص تحولت وفاتهم المفاجئة إلى فرصة لإنقاذ عدة مرضى، ففي مادبا حادثة شهيرة عنوانها " الأمل " تتمثل في حالة الكاهن المسيحي وليم اليعقوب الذي أُتيح التبرع بأعضائه بعد وفاته، فاستفاد منها عدد من المحتاجين و لا زالت هذه الحادثة حديث الشارع بعد.سنوات طِوال.

هذه الوقائع تعكس إمكانية تحويل الفقد إلى منفعة عامة عندما تتوفر الأطر القانونية والتنظيمية المناسبة. في المقابل، يعيش مرضى آخرون، مثل شاب اعرفه ( ر-م) ، معاناة الانتظار لزراعة كبد، متنقلاً بين دول مجاورة بحثًا عن متبرع، وهو نموذج يتكرر بصور مختلفة داخل المجتمع.

التعامل مع التبرع بالأعضاء بوصفه أولوية صحية يتطلب تجاوز البيروقراطية وتبني مقاربة مرنة تستند إلى الأدلة الطبية والمعايير الأخلاقية. الحفاظ على الأعضاء القابلة للزراعة ومنع تلفها هو مسؤولية نظام صحي قادر على الاستجابة السريعة، وليس مسألة إجرائية قابلة للتأجيل. كما أن ترسيخ ثقافة التبرع يعزز مفهوم التكافل الاجتماعي، ويمنح المتبرع بعد الوفاة أثرًا ممتدًا يمكن اعتباره شكلاً من أشكال الصدقة الجارية ذات البعد الإنساني العام.

إن منح المرضى الذين فقدوا أعضاءهم فرصة لبدء حياة جديدة ليس ترفًا طبيًا، بل حق مرتبط بكرامة الإنسان وجودة حياته. تطوير منصة وطنية وبروتوكولات طوارئ واضحة في المستشفيات الأردنية يمكن أن يحوّل حالات الوفاة المفاجئة إلى مصدر حياة لآخرين، ويحد من الموت التدريجي الذي يعيشه مرضى الفشل العضوي.

بهذه المقاربة، يصبح التبرع بالأعضاء ممارسة مؤسسية عادلة، ويغدو الخير الذي يقدمه الإنسان في حياته ممتدًا إلى ما بعدها عبر إنقاذ حياة الآخربن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :