هندسة القدرات: الذكاء حين يعمل معًا
م. رياض الخرابشة
16-02-2026 10:44 AM
تخيّل أن تدخل غرفة مليئة بالعقول القوية، وتتعامل معها كما لو أنها خصوم يجب التغلب عليهم. ستخرج مرهقًا، حتى لو ربحت النقاش.
وتخيّل أن تدخل الغرفة نفسها، لكنك تراها كمحطة طاقة؛ كل عقل فيها مصدر قوة يمكن ربطه بالآخر. في الحالة الأولى أنت تحاول أن تضيء وحدك، وفي الثانية تبني شبكة إنارة كاملة.
الفكرة ببساطة أن الذكاء ليس كمية تُقاس بالمقارنة، بل طاقة تُدار بالتوجيه. ليس السؤال: من يتفوق على من؟ بل: كيف نجعل هذا التنوع يعمل معًا؟ حين تغيّر السؤال، تتغير النتيجة. تنتقل من سباق فردي قصير النفس إلى بناء منظومة طويلة الأثر.
من هنا نفهم أن الذكاء ليس ساحة معركة، ولا اختبارًا يوميًا لإثبات من الأذكى. الدخول في منافسة مستمرة مع عقول من حولك يستهلك طاقتك ويجعل العلاقات متوترة ومشحونة بالمقارنة. الأجدى أن تنظر للأمر من زاوية مختلفة: كل شخص حولك يملك نوعًا من الذكاء يمكن أن يخدمك ويخدم الهدف إذا وُضع في المكان الصحيح.
المسألة تبدأ بتغيير بسيط في التفكير. بدل أن تسأل: هل هو أذكى مني؟ اسأل: في ماذا هو أقوى مني؟ هذا السؤال وحده ينقلك من عقلية التهديد إلى عقلية الاستفادة. حين ترى ذكاء الآخرين موردًا لا خطرًا، تبدأ عمليًا في البحث عن كيفية توظيفه. وهنا تبدأ حكاية هندسة القدرات؛ ليس كفكرة نظرية، بل كطريقة عملية ترى في كل شخص ميزة محددة، ثم تضع هذه الميزة في موقعها الصحيح.
هندسة القدرات تعني أن تضع الشخص المناسب في الدور المناسب. في فريق العمل مثلًا، هناك من يجيد تحليل الأرقام بدقة، وهناك من يتقن إقناع الشركاء، وآخر يحسن تنظيم التفاصيل اليومية. الخطأ أن تكلف صاحب العلاقات بعمل تحليلي معقد، أو تضع صاحب التفكير العميق في مهمة تحتاج سرعة حركة وميدان. حين توزّع الأدوار وفق نقاط القوة، تختصر نصف الطريق نحو النجاح.
في الاجتماعات، يظهر الفرق بوضوح. بدل أن تتصدر الحديث دائمًا، امنح صاحب الرؤية الفنية المساحة ليشرح، ودع صاحب الخبرة الميدانية يعرض التحديات، واطلب من صاحب الحس التنظيمي أن يضع الخطوات التنفيذية. فجأة يتحول الاجتماع من استعراض فردي إلى إنتاج جماعي.
ومع الوقت ستلاحظ نتيجة واضحة: إنجازاتك تكبر دون أن يزداد ضغطك بنفس المقدار. لأنك لم تعد تعمل بعقلك وحدك، بل بعقول متعددة تتحرك في اتجاه واحد. النجاح لم يعد رقمًا فرديًا مرتبطًا بك وحدك، بل نتيجة تراكم قدرات متعددة تعمل في انسجام.
لكن هناك شرطًا مهمًا: الشفافية والعدل. توظيف ذكاء الناس لا يعني استغلالهم أو سرقة جهدهم، بل يعني أن يعرف كل شخص دوره وقيمته، وأن يرى أثر مساهمته بوضوح. حين يشعر الناس بأنهم شركاء حقيقيون، يعطونك أفضل ما لديهم دون مقاومة.
في النهاية، النجاح ليس أن تكون الأذكى في الغرفة، بل أن تجعل الغرفة كلها أكثر ذكاءً بوجودك. عندما تنتقل من عقل ينافس إلى عقل ينسّق، تتحول قدرات الآخرين من تهديد محتمل إلى قوة تدفعك للأمام. وهنا يصبح الذكاء ليس مهارة شخصية فقط، بل طريقة إدارة للحياة والعمل