facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"وزارة التربية" ومعركة الوعي الرقمي


فيصل تايه
16-02-2026 10:46 AM

عطفاً على مقالي الذي نشر بالامس حول خطر "التغول الرقمي" على عقول أبنائنا، نجد أنفسنا أمام مواجهة حقيقية ومستعجلة ، فكل ثانية يمر بها أبناؤنا في "المستنقع الرقمي" هي ثانية تسرق من وعيهم ، ومن براءتهم، من قدرتهم على التفكير الحر، ومن مستقبلهم، فنحن اليوم، أمام اختبار حقيقي ، إما أن نحمي فلذات اكبادنا ، ونستثمر أدواتنا الوطنية بحكمة، أو نتركهم يغرقون في عالم افتراضي يبتلع أحلامهم قبل أن يعرفوا معنى الحياة والاختيار.

ان ما يتضح بشكل لا لبس فيه أن التحدي الذي نواجهه اليوم لم يعد مجرد تحذير ، بل هو دعوة عاجلة للعمل الفعلي ، فالأزمة لم تعد محتوى رقمي عابر ، بل هي تهديد مباشر لطبيعة التعلم والوعي لدى أبنائنا، وتجربة كل دقيقة ضائعة أمام الشاشات تثبت حجم المأساة، وتكشف كيف يمكن للحظة واحدة من الإهمال أن تسرق طفولة كاملة، وأن تزرع في عقولهم عادات يصعب تصحيحها لاحقاً .

انني وفي هذا السياق، حاولت ان ابحث عن تجاربنا في مواجهة هذه الظاهرة وهذا التحدي ، وماذا أعدت وزاره التربية والتعليم لذلك ، فكان لي ان اطلع على تجربة "منصة سراج" بوصفها محاولة وطنية تستحق القراءة المتأنية، لا من زاوية الإطلاق الإعلامي، بل من زاوية الإمكانات التربوية الكامنة فيها ، ولا نقول انها حلاً سحرياً، لكنها تحمل بذور حل إذا ما أُحسن التعامل معها ، فهي محاولة لإعادة تشكيل علاقة الطالب بالعالم الرقمي ضمن إطار تربوي واع ، حيث تحمل إمكانات حقيقية لتحويل التغول الرقمي إلى فرصة تعليمية، اذ يمكن اعتبارها نقطة تحوّل حقيقية ، إذا أُحسن استثمار محتواها، وخوارزمياتها، وبرامجها، ودمجها مع الميدان المدرسي بشكل فعلي، وطبقت بروحها الكاملة، لا بنسخة مجتزأة أو شكلية ، بحيث تصبح تجربة الطالب اليومية جزءاً من رحلة تعلم مشوقة، متوازنة، وموجهة.

إن "سراج" لا تقاس بما تقدمه من محتوى تقني، بل على كيفية استخدام الطالب لها، وما يستهلكه من محتوى ، وما تستطيع تحقيقه من أثر في وعيه ، وسلوكياته، وقدرته على التفكير النقدي المستقل ، في الوقت الذي يستمر به أبناؤنا في الانغماس في ألالعاب، او المقاطع القصيرة ، والمحادثات العابرة، أو المواقع غير المناسبة، والتي من خلالها تمضي اوقاتهم بلا فائدة ، لذلك فإن كل ساعة تمضي عبر ذلك هي ساعة تسرق من نموهم الفكري والقيمي، وكل دقيقة تضيع فيها براءتهم، وكل يوم يبتعدون فيه عن المعايير الصحيحة للوعي والاختيار الحر هو يوم يبنى فيه مستنقع رقمي يعقد مسار حياتهم المستقبلية.

وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد بأن إشادتي بهذه التجربة لا تأتي من باب المجاملة، ولا المناصرة ، بل واجب مهني وأخلاقي يفرضه الاهتمام بأبناء الوطن أولاً ، فالثناء هنا موجه للفكرة حين تخدم أبنائنا، وللمسار حين يسير في الاتجاه الصحيح، وهو ثناء مشروط بالتطوير والمتابعة والتقييم المستمر، لأن أي مشروع تربوي، مهما بلغت نواياه، لا يقاس بالإطلاق، بل بالأثر الحقيقي في الميدان، وبمدى تأثيره على شخصية الطالب ووعي المجتمع.

إن ما تقوم به وزارة التربية والتعليم من خلال هذه المنصة هو خطوة تأسيسية حقيقية، لكنه يحتاج إلى زخم جماعي ومتابعة دقيقة ، من خلال التدريب الفعلي للمعلمين، ودمج المنصة في ثقافة المدرسة اليومية، وإشراك الأسرة، ورفع وعي المجتمع الإعلامي، كل هذه العناصر لا تقل أهمية عن المحتوى نفسه ،فالنجاح الحقيقي مرهون بتضافر كل هذه الجهود، وليس بإطلاق أداة رقمية وحدها.

انا اقول ولو تم الاستثمار في المنصة بالشكل الأمثل، وتشويق الطلاب إليها، وإشراكهم في برامج تعليمية ممتعة وجاذبة، لأصبحت "سراج" من أقوى السبل لسحب أبنائنا تدريجياً من المستنقع الرقمي، ليس بالقسر والمنع، بل بالبديل الذكي الذي يحترم عقولهم ويخاطب فضولهم ، إنها فرصة لتحويل الخطر الرقمي إلى قوة تعليمية، إذا أحسن توظيفها، لتصبح تجربة تعلم يومية متكاملة تعيد لهم السيطرة على وقتهم، ووعيهم، وشغفهم للمعرفة.

وما أطرحه اليوم ليس تراجعاً عن التحذير الذي وجهته في مقال الأمس، بل تحويل الصرخة إلى مسار عمل واضح ، فبين التحذير والفعل، تقف مسؤولية الدولة والمجتمع معاً ، وإذا نجحنا في دمج "سراج" في المدارس، والصفوف ، والبيوت، وأحسنا تدريب المعلمين، ودعم الأسرة، وفعلنا الإعلام المسؤول، فإننا لا نعيد فقط التوازن لعقول ابائنا، بل نبني جيلاً متكامل الوعي، قادرًا على مواجهة أي تحدّ رقمي بثقة، وفهم، ومسؤولية ، وبذلك فإننا نثبت أن الأردن يمتلك الشجاعة ليس فقط لتشخيص الخطر، بل لبناء الحلول الذكية القابلة للاستمرار.

إن المعركة اليوم ليست بين التعليم والتقنية، بل بين الوعي والضياع، بين الاستثمار في العقل وتركه فريسة للفوضى الرقمية ، وكل خطوة تأجيل، وكل تهاون، هو خسارة حقيقية لوقت أبنائنا ووعيهم ، أما إذا أحسننا استثمار الفرصة، فسنكون أمام جيل قادر على مواجهة تحديات العصر بثقة، وفهم، ومسؤولية.

إن المعركة اليوم هي معركة حقيقية على وعي أبنائنا ومستقبل أمتنا ، فكل تأجيل، وكل تهاون، وكل دقيقة صمت أمام هذا المستنقع الرقمي هي خسارة لا تعوض، فتلك سرقة متأنية لأحلامهم، وضياع تدريجي لقدراتهم على التفكير، والتمييز، والابتكار.

وبهذا تصبح المنصة ليست مجرد أداة تعليمية، بل مشعلاً للوعي الرقمي، ورؤية وطنية متكاملة، وقاعدة ثابتة لأي سياسة تربوية مستقبلية ، ولن يكون هذا مجرد حلم إذا تحرك الجميع معاً ، وزارة التربية، المعلمون، الإدارات المدرسية، أولياء الأمور، الإعلام، والمجتمع ككل.

بقي ان اقول ، إننا اليوم أمام فرصة تاريخية: إما أن نترك أبنائنا يغرقون في مستنقع التغول الرقمي، أو نمد لهم يد الإنقاذ المبني على العلم والمعرفة والوعي ، وهذا هو جوهر مسؤوليتنا الوطنية والتربوية.

فلنرفع الصوت، ولنضع الأفعال بدل الكلمات، ولنثبت أن وزارة التربية قادرة على قيادة معركة الوعي الرقمي بحكمة، بمهنية، وبنجاح حقيقي يُحسب لها، لا لجهة، ولا لشخص، بل للأجيال القادمة.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :