قصص الأطفال بوصفها أداة تعليمية وتربوية
آية عويدي العبادي
16-02-2026 11:06 AM
تمثّل القصة الأداة الطبيعية التي يعمل بها عقل الطفل لفهم الواقع وبناء المعنى؛ فالطفل لا يعالج الخبرة على شكل معلومات مجرّدة، بل يحوّلها داخليًا إلى مشاهد وأحداث وشخصيات، ومن خلالها يتعلّم الربط بين السبب والنتيجة، ويفهم المشاعر، ويكوّن تصوّره عن الصواب والخطأ؛ وبذلك فإن السرد القصصي يفعّل الذاكرة الانفعالية والخيالية معًا، فيثبت التعلّم أكثر مما يفعله الشرح المباشر، لأنه يمر عبر الانتباه والوجدان قبل العقل التحليلي.
أما في المدرسة، فتُعد القصة أداة تعليمية فعّالة؛ إذ تنمّي مهارات اللغة والتفكير النقدي، كما أنها تدعم الفهم، وتغرس القيم والسلوكيات دون توجيه مباشر؛ وتساعد المعلّم على إدارة الصف نفسيًا من خلال شدّ انتباه الطلبة وبناء علاقة وجدانية معهم؛ وعليه فإن التعليم بالقصة يجعل الطالب مشاركًا ذهنيًا لا متلقيًا سلبيًا، ويحوّل المعرفة إلى تجربة ذات معنى، وهذا هو أساس التعلّم العميق والمستدام.
ومن جهة أخرى، تُعد قصص الأطفال من أهم الوسائط التربوية والنفسية التي تسهم في تشكيل البنية المعرفية والانفعالية للطفل؛ إذ لا تقتصر وظيفتها على التسلية أو تنمية الخيال فحسب، بل تؤدي دورًا محوريًا في غرس القيم، وبناء التصورات عن الذات والآخرين، وتوجيه السلوك الاجتماعي والأخلاقي؛ ففي هذا السياق يتفاعل الطفل مع القصة بوصفها تجربة رمزية يعيشها وجدانيًا، ومن ثم يعيد من خلالها تفسير الواقع وفهمه، مما يجعل القصة أداة فعّالة في بناء الوعي المبكر وتنظيم الخبرة النفسية.
وفي ضوء ما سبق، تشير الأدبيات في علم نفس النمو إلى أن الطفل في مراحله الأولى يعتمد على السرد والتمثيل الرمزي لفهم العالم؛ فالقصة تمثّل إطارًا معرفيًا يساعده على تنظيم الخبرة وتحويل المثيرات المتفرقة إلى معنى متماسك؛ كما توضّح المدرسة المعرفية أن الطفل لا يستقبل مضمون القصة بصورة سلبية، بل يعيد تأويله وفق بنيته المعرفية ومستوى نضجه العقلي؛ وبالتالي يدمج القيم والأفكار التي تتضمنها القصة في منظومته الإدراكية، ومن هنا تصبح القصص وسيلة لنقل المفاهيم المجرّدة إلى صور ملموسة يمكن للطفل تمثّلها وفهمها.
تتيح القصص للطفل نماذج سلوكية يتعلّم من خلالها أنماط التفاعل مع المواقف المختلفة؛ فالشخصيات القصصية تمثل نماذج يلاحظ الطفل سلوكها ونتائج أفعالها؛ وبذلك يكتسب منها أساليب حل المشكلات، وتنظيم الانفعال، والتواصل مع الآخرين؛ وتبيّن الدراسات أن التفاعل مع القصة يعزّز عملية التعلّم بالملاحظة، ومن ثم يزيد من احتمال تقليد السلوكيات الإيجابية التي تُعرض داخل السرد القصصي بوصفها ذات نتائج طيبة.
كذلك تسهم قصص الأطفال في تنمية القدرة على فهم المشاعر وتنظيمها؛ فالسرد القصصي يعرّف الطفل على طيف واسع من الانفعالات، ويعلّمه كيف تتطور هذه المشاعر في سياق الأحداث؛ وبعبارة أخرى تساعد القصة الطفل على إدراك أن المشاعر طبيعية ومشتركة بين البشر، وتتيح له فرصة التعبير غير المباشر عن انفعالاته الداخلية؛ مما يسهم في بناء الذكاء الانفعالي وتعزيز التعاطف مع الآخرين.
تلعب القصص دورًا أساسيًا في بناء البنية النفسية والاجتماعية للطفل؛ إذ تشكّل القيم والمعايير التي تتضمنها مرجعًا داخليًا يوجّه تصوّر الطفل لذاته ولمكانته في العالم؛ وتشير النظريات التربوية إلى أن القصص التي تُبرز التعاون واحترام الآخر والمسؤولية تساعد الطفل على تكوين صورة إيجابية عن ذاته؛ كما أن السرد الذي يقدّم نماذج متنوعة للشخصيات يسهم في توسيع أفق الطفل وفهمه للاختلاف والتنوّع.
وفي بعض السياقات تُستخدم القصة أداة إرشادية؛ حيث يُوظَّف السرد لمساعدة الطفل على التعامل مع مخاوفه وتجارب القلق أو الإحباط؛ وتُظهر الدراسات أن الاستماع إلى قصص قريبة من خبرة الطفل يساعده على إعادة تفسير تجربته وتخفيف توتره النفسي، وبذلك يطوّر استراتيجيات تكيّف أكثر نضجًا.
وأخيرًا يمكن القول إن الأثر التربوي والنفسي لقصص الأطفال لا يتحقق تلقائيًا؛ بل يرتبط بجودة المحتوى وطريقة تقديمه؛ فالقصة الفعّالة تراعي المستوى النمائي للطفل، وتقدّم لغة واضحة وبناءً سرديًا متماسكًا؛ كما أن الحوار حول القصة بعد قراءتها يعزّز الفهم النقدي ويعمّق أثرها التربوي والنفسي.
وبذلك تمثل قصص الأطفال أداة تربوية نفسية متكاملة؛ تتداخل فيها المعرفة مع الانفعال، والقيم مع السلوك، والخيال مع الواقع؛ ومن هنا يمكن توظيفها في بناء شخصية الطفل بناءً متوازنًا يعزّز نموه المعرفي والانفعالي والاجتماعي، ويهيّئه للتفاعل الإيجابي مع ذاته ومع الآخرين في مراحل حياته اللاحقة.