الولايات المتحدة والصين: حرب المصالح بين العملاقين!
أ.د أحمد بطَّاح
16-02-2026 11:07 AM
في الوقت الذي تحاول الصين كثاني أكبر اقتصاد في العالم وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي أَخْذ مكانها كقطب مُنافس رئيس في عالم اليوم تقوم الولايات المتحدة بعمل كل ما في وسعها لإعاقة الصين والوقوف في وجه مصالحها، وحيث أنّ الصين ما زالت تُركز على التوسع الاقتصادي ولا تقترب من خيار القوة العسكرية لتحقيق مصالحها الاستراتيجية فإنّ الولايات المتحدة لا تجد مُبرراً للصدام المباشر معها، ولذا فهي تعمل على تعويق مسيرتها بأساليب "ناعمة" إجمالاً ولكنها مضمونة التأثير على أرض الواقع، ولعلّ ذلك يتبدّى بوضوح في القضايا الدولية الآتية:
أولاً: الهجوم الأمريكي على فنزويلا واختطاف رئيسها "مادورو" والهيمنة المُلاحظة -التي لم يخفها ترامب- على النفط الفنزويلي (تملك فنزويلا أكبر احتياطي نفط مُؤكد في العالم)، وإذا تذكرنا أنّ الصين تربطها شراكة استراتيجية مع فنزويلا وهي تستورد كميات كبيرة من النفط الفنزويلي وتستثمر كثيراً في فنزويلا (في مجال النفط، والاتصالات، والاسكان...) فإنّنا يمكن أن ندرك مدى تأثير هذا الهجوم الأمريكي على المصالح الصينية. صحيح أنّ الصين يمكن أن تعوض خسرانها لفنزويلا في أماكن أخرى، ولكن المؤكد أن هذا الهجوم الأمريكي أضر بالمصالح الصينية إلى درجة كبيرة.
ثانياً: الهجوم الأمريكي المُتوقع على إيران، وغني عن القول أنّ إيران حليف استراتيجي مهم للصين في مجال الطاقة (النفط والغاز)، ولذا فإنّ استهداف الولايات المتحدة المستمر لإيران (كما حدث في حرب الـ 12 يوماً السابقة) يضر بالمصالح الصينية، وقد يُلحق بها خسائر فادحة وبخاصة إذا تم إغلاق مضيق "هرمز" بسبب الحرب وتوقف شحنات النفط الإيراني إلى الصين التي تُعد "مصنع العالم" وتحتاج إلى النفط حاجة ماسة، وقد يكون تعرض السفن الأمريكية الحاصل الآن "لأسطول الظل" الإيراني خطوة لافتة على هذا الصعيد، ولعلّنا يجب أن نضيف أنّ الهجوم الأمريكي على فنزويلا والهيمنة على نفطها، والضربة المتوقعة لإيران تضعفان وضعية الصين كدولة كبرى، وتضعان مصداقيتها كقطب دولي رئيس على المحك.
ثالثاً: حرب الرسوم الجمركية التي شنها الرئيس الأمريكي ترامب على العالم كله ولم يستثنِ الصين وهي من أهم فصول الصراع الاقتصادي العالمي في العقد الأخير. صحيح أن الصين ردت بالمثل ولكن ما حدث يُثبت أنّ الولايات المتحدة تراقب الصين ولا تتردد في الإضرار بها كما هو الحال بالنسبة للدول المتوسطة والصغيرة وهذا يعني ببساطة أن الولايات المتحدة لا تعترف "بالعملاق" الصيني، ولا ترغب في السماح له بأخذ موقعه الطبيعي في المنظومة الدولية، والواقع أنّ حرب الرسوم هذه ليست نزاعاً تجارياً عابراً بل صراع على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.
رابعاً: عدم التزام الولايات المتحدة بالسياسة التي اعترفت بها إزاء الصين وهي (الصين الواحدة)، فهي ما زالت تُسلح "تايوان"، وتحرضها بأسلوب خفي على الاحتفاظ بوضعيتها المستقلة، كما تحذر الصين من "الحل العسكري" للموضوع، وهي تُسيّر السفن باستمرار في مضيق تايوان لكي تحدّ من نفوذ الصين في المنطقة الحيوية لها وهي "بحر الصين الجنوبي".
خامساً: الامتعاض الأمريكي من لجوء بعض الدول الغربية كبريطانيا وفرنسا إلى التقرب من الصين وعقد الاتفاقيات -وبالذات الاقتصادية- معها، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أنّ الولايات المتحدة تريد أن تُبقي أوروبا تحت مظلتها، كما تريد أن "تحتوي" الصين ولا تفتح لها الآفاق وبالذات مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة كأوروبا وكندا، وقد عبّر الرئيس الأمريكي ترامب عن هذا الامتعاض بوضوح بعد زيارة "ستارمر" رئيس الوزراء البريطاني إلى الصين، والتي سبقتها قبل وقت ليس بالقصير زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون.
إنّ كل ما سبق يُعدّ ترجمة واضحة للاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي (2025) والتي اعتبرت "الصين" هي العدو الإستراتيجي الفعلي للولايات المتحدة، ولذا فليس غريباً أن "تضيق" على مصالحها العالمية، وليس غريباً أن تحاول "تحجيمها" والتقليل من مصداقيتها كقوة كبرى يُنتظر أن تصبح بعد فترة ليست طويلة الدولة المكافئة للولايات المتحدة في موازين القوة.
إنّ الصين تدرك ما تفعله الولايات المتحدة وهي تتفهم ذلك وتمارس إزاءَه ما يُسمى "بالصبر الإستراتيجي" فهي تعي أن مسألة صعودها إلى القمة هي مسألة وقت ليس إلّا، ولذا فلا تجد داعياً "للتعجل" و"توتير الأجواء" بل تُفضل على ذلك التريث، وتفويت فرص الاحتكاك والصدام، وذلك بانتظار حدوث ما لا بد من حدوثه وهو أخذ الصين لمكانتها كقوة عُظمى تتوفر على معظم عناصر النفوذ ومقوماته.