facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




النمو الكمي لا يكفي: لماذا تحتاج الاقتصادات إلى إصلاح هيكلي أعمق؟


د. حمد الكساسبة
16-02-2026 01:59 PM

كثيرًا ما يُختزل تقييم أداء الاقتصاد في رقم واحد: معدل النمو السنوي. غير أن هذا الرقم، مهما بدا إيجابيًا، لا يكشف بالضرورة طبيعة التحول الاقتصادي ولا جودة المسار التنموي. فقد يسجل الاقتصاد نموًا مستقرًا، بينما تبقى البطالة مرتفعة ويتباطأ تحسن دخل الفرد. لذلك لم يعد السؤال كم نما الاقتصاد، بل كيف نما، وهل يعكس هذا النمو تحولًا هيكليًا حقيقيًا أم مجرد توسع محدود في النشاط.

تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن الاقتصاد الأردني سجل نموًا حقيقيًا بنسبة ٢.٥٪ خلال عام ٢٠٢٤ مقارنة بعام ٢٠٢٣، فيما أظهرت البيانات حتى نهاية الربع الثالث من عام ٢٠٢٥ نموًا بنحو ٢.٧٪ على أساس سنوي. كما تتوقع الحكومة وصندوق النقد الدولي أن يقترب معدل النمو من ٢.٩٪ في عام ٢٠٢٦. هذه الأرقام تعكس استقرارًا نسبيًا، لكنها تبقى ضمن نطاق النمو المعتدل الذي يحافظ على التوازن دون أن يُحدث نقلة نوعية في سوق العمل أو في مستويات الدخل.

ومن الناحية الهيكلية، يكمن الفرق بين نمو محدود ونمو تحولي في الإنتاجية. فالاقتصاد قد يتوسع عبر زيادة الإنفاق أو العمالة، لكن التحول الحقيقي يحدث عندما ترتفع كفاءة استخدام العمل ورأس المال والتكنولوجيا معًا. فالإنتاجية هي المحرك الأساسي لارتفاع الأجور وتعزيز القدرة التنافسية، وأي نمو لا يستند إليها يظل هشًا وقابلًا للتباطؤ.

كما أن جودة النمو ترتبط بكيفية تخصيص الموارد داخل الاقتصاد. فعندما يتجه رأس المال إلى أنشطة منخفضة القيمة المضافة، يظل أثره محدودًا على التوظيف والصادرات. أما توجيهه نحو قطاعات إنتاجية قادرة على المنافسة، فيعزز النمو طويل الأجل ويوفر فرص عمل أكثر استدامة. الفارق هنا ليس في حجم الاستثمار، بل في نوعيته وأثره التراكمي.

ومن زاوية أخرى، يشكل اتساع الاقتصاد غير المنظم تحديًا هيكليًا. فوجود نشاط اقتصادي يتراوح حجمه في بعض دول المنطقة بين ٢٠٪ و٣٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي يعني أن جزءًا معتبرًا من الاقتصاد يعمل خارج الإطار الرسمي، بما يضعف الإنتاجية ويقلّص القاعدة الضريبية. إدماج هذا النشاط ضمن الاقتصاد المنظم لا يزيد الإيرادات فحسب، بل يرفع كفاءة الاقتصاد ويعزز العدالة التنافسية.

وإذا كانت جودة النمو هي الأساس، فإن وضع المالية العامة يعكس حدود هذا المسار. فتقارب نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو ٩٠٪، وفق أحدث البيانات الرسمية، وذلك باستثناء مديونية الحكومة لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، يحدّ من هامش التحرك المالي. ومن المهم التمييز بين الدين الإجمالي والدين الصافي، غير أن جوهر المسألة يبقى مرتبطًا بالفارق بين معدل النمو وكلفة الاقتراض. فكلما تسارع النمو الحقيقي، اتسعت قدرة الاقتصاد على إدارة الدين بثقة أكبر.

وانطلاقًا من ذلك، يصبح من الضروري تطوير أدوات أعمق لقياس الأداء الاقتصادي. فمعدل النمو وحده لا يكفي للحكم على جودة المسار التنموي. ويمكن التفكير في مؤشر وطني لجودة النمو يدمج بين نمو الإنتاجية، وحصة القطاعات القابلة للتصدير، وحجم الاستثمار الإنتاجي، وعدد فرص العمل المستدامة. كما ينبغي تقييم الدين وفق العائد الاقتصادي الذي يولده، لا وفق حجمه المجرد.

وفي السياق ذاته، تمثل كفاءة القطاع العام ركيزة مكملة لهذا التحول. فجودة الإدارة، ووضوح التشريعات، وسرعة الإجراءات ليست تفاصيل إدارية، بل عناصر إنتاجية تؤثر مباشرة في قرارات الاستثمار وفي مستوى الثقة الاقتصادية.

في المحصلة، لا يكفي أن يحقق الاقتصاد نموًا إيجابيًا حتى يُقال إنه يسير في الاتجاه الصحيح. فالنمو الذي لا يرفع الإنتاجية، ولا يحسن تخصيص الموارد، ولا يولد فرص عمل ذات قيمة مضافة، يظل نموًا محدود الأثر مهما بدا مستقرًا رقميًا. التحول الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما يُعاد توجيه السياسات من التركيز على حجم النمو إلى جودة هذا النمو. وعندها فقط يتحول كل ارتفاع في الناتج إلى تحسن فعلي في الدخل وفرص العمل، وإلى اقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :