ظهر نقاش واسع بين مؤيد ومعارض في الأسبوع الماضي حول مقترح تمديد عطلة نهاية الأسبوع إلى ثلاثة أيام. يتناول هذا المقال فوائد ومضار هذا المقترح.
تاريخياً، نشأت عطلة نهاية الأسبوع على مراحل. لم يكن هناك يوم العطلة المنتظم في المجتمعات الزراعية، ففي أوروبا كان الأحد يوم الراحة الديني، أما في الدول الإسلامية فكان يوم الجمعة يوم الصلاة الجماعية وليس بالضرورة يوم راحة. وفي القرن 19 ومع الثورة الصناعية بدأت فكرة تشغيل العمال 6 أيام أسبوعياً، كما بدأت نقابات العمال بالنضال لتقليل ساعات العمل، لينتهي الأمر في ذات القرن بأن تكون العطلة في بريطانيا نصف يوم السبت وكامل يوم الأحد.
مع بداية القرن العشرين، في عام 1908، اعتمدت بعض المصانع يومي السبت والأحد استجابة لرغبات العمال اليهود والمسيحيين، كما تلاه ظهور قانون العمل الأمريكي في 1938 الذي حدد أسبوع العمل بأربعين ساعة وأقر عطلة اليومين. وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت عطلة اليومين معياراً عالمياً.
لأسباب اقتصادية واجتماعية (كحماية صحة العمال وزيادة الإنتاجية،ونمو الاقتصاد الاستهلاكي من خلال زيادة التسوق والترفيه، وازدهار السياحة الداخلية، وتعزيز التماسك الأسري والاجتماعي)، اختارت الدول أياما مختلفة من الاسبوع لعطلة اليومين، حيث تكون العطلة يومي السبت والأحد في أوروبا والولايات المتحدة، وشرق آسيا، ومعظم العالم. أما عطلة يومي الجمعة والسبت فهي النموذج المفضل غالباً في الدول الإسلامية، كالسعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، والأردن. أيضاً، هناك نماذج هجينة كما هو الحال في الإمارات، حيث تكون العطلة نصف يوم الجمعة ويومي السبت والأحد.
هناك تجارب عالمية حديثة لاعتماد عطلة ثلاثة أيام، خاصةً وأن البحوث الاقتصادية ودراسات منظمة العمل الدولية تشير إلى أن تقليل ساعات العمل يرفع الإنتاجية ويقلل الغياب والإجهاد. قامت آيسلندا بخفض ساعات العمل دون خفض الأجور، فلم تتراجع الإنتاجية وأصبحت أفضل في بعض المواقع كما تحسنت رفاهية العمالة. وقامت بريطانيا من خلال تجربة وطنية في عام 2022 بممارسة عطلة الثلاثة أيام وكانت النتجية أن 92% من الشركات استمرت بالممارسة بعد التجربة التي نتج عنها انخفاض الإرهاق وزيادة الرضا الوظيفي. وفي اليابان قامت شركة مايكروسوفت باعتماد هذه الممارسة مما أدى لارتفاع الإنتاجية لديها بنسبة 40%.، كما انخفض استهلاك الطاقة وتكاليف الانتاج. وهناك تجارب في دول مثل إسبانيا وبلجيكا قيد التطبيق. بالمحصلة، فإن معظم التجارب التي تطبق الأسبوع 4 أيام عمل بالأسبوع تحافظ على عدد ساعات العمل ولا تقلل ساعات العمل كما تركز على رفع مستوى الكفاءة.
وبالنسبة لعدد أيام العمل السنوية فإن عددها في الأردن يعتبر منخفضاً عنه في بعض الدول المتقدمة إذ يبلغ عدد أيام العمل السنوية في ألمانيا 230 يوما، وفي اليابان 245 يوما، وفي الولايات المتحدة 249 يوما، بينما يبلغ عدد أيام العمل الفعلية في السنة للقطاع الخاص في الأردن حوالي 240 -250 يوما تقريبا، بعد خصم أيام العطلات الأسبوعية، والإجازات السنوية (14-21 يوما)، والعطل الرسمية والأعياد الدينية التي لا تحسب من ضمن الإجازة السنوية. وقد يقل عدد الأيام فعلياً إلى 235 يوما بسبب التعطيلات الرسمية الطارئة. لذلك، يجب حساب الكلفة الاقتصادية لأي زيادة في أيام العطل.
يمكن حساب التكلفة الاقتصادية لعطلة 3 أيام من خلال حساب كلفة ساعات العمل المفقودة (اذا لم يتم تعويضها) بقسمة الناتج المحلي الإجمالي على عدد ساعات العمل اليومية ويطرح من هذه الكلفة زيادة الإنتاجية المحتملة، وزيادة الاستهلاك السياحي والإنفاق، والوفر في التكاليف التشغيلية.
من منافع عطلة نهاية أسبوع لمدة ثلاثة أيام عمل تعمل على رفع زيادة الإنتاجية (تقليل الإرهاق وأداء أفضل، زيادة التركيز خلال أيام العمل)، وتحفيز الاقتصاد المحلي (زيادة السياحة الداخلية، زيادة الإنفاق على الترفيه والمطاعم) ، وتقليل البطالة (توزيع العمل على عدد أكبر من العمال، زيادة الوظائف الجزئية)، وتحسين الصحة النفسية والاجتماعية (تقليل الاحتراق الوظيفي، تحسين التوازن بين الحياة والعمل)، وخفض التكاليف التشغيلية (تقليل استهلاك الطاقة والنقل).
أما مضار هذه العطلة فتتمثل في انخفاض ساعات العمل الكلية (إذا لم تُرفع الإنتاجية)، ولها تأثير سلبي على القطاعات الخدمية (مثلا البنوك، الدوائر الحكومية، التجارة الدولية)، وفقدان التنافسيةإذا كانت الدول المنافسة تعمل أكثر وبانتاجية أعلى، كما يمكن أن تكون صعبة التطبيق في القطاع الصناعي.
بالمحصلة، فإن الأردن يعمل ضمن المعدلات العالمية لأيام العمل، كما أن عطلة ثلاثة أيام قد ترفع الرفاه والإنتاجية، لكنها تحمل مخاطر اقتصادية أيضاً، لذلك يجب حساب منافع ومضار مثل هذا التوجه النابع أصلاً من الرغبة بتحسين رفاه المواطن.
"الرأي"