هل أعاقتهم إعاقتهم .. أم أعاقتهم السياسات؟!
محمود الدباس - أبو الليث
17-02-2026 12:03 PM
ليس ذوو الإعاقة في هذا الوطن رقما يُذكر في تقرير.. ولا صورة تُلتقط في فعالية.. ولا فقرة عابرة في خطاب رسمي.. إنهم قصة كفاحٍ طويلة.. كتبتها العزيمة قبل أن يكتبها القانون.. وامتحنتها الأيام قبل أن تعترف بها المنصات..
في الأردن.. لدينا تشريعات واضحة.. ولدينا قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017 الذي لم يأتِ مجاملةً لأحد.. بل جاء ليقول إن الكرامة حق.. وإن العمل حق.. وإن الدمج ليس منة اجتماعية.. بل التزاما دستوريا.. ولدينا مؤسسات يفترض أن تراقب وتتابع وتحاسب.. لكن السؤال الذي يتردد في صدورهم كل صباح.. لماذا بقيت بعض هذه النصوص حبيسة الورق؟!.. فالقانون حين يُقر.. لا يُترك للاجتهاد.. ونسب التشغيل التي نص عليها ليست توصية أخلاقية.. بل التزام ملزم لا يحتمل التأويل..
بيننا من ذوي الإعاقة مهندسون.. واطباء.. ومحامون.. وحملة درجات عليا في تخصصات معقدة.. أرهقوا أعينهم في البحث.. وأفنوا أعمارهم في التحصيل.. ثم وقفوا على أبواب الفرص ينتظرون عدالة.. لا شفقة.. ينتظرون امتحانا لكفاءتهم.. لا نظرةً لكرسيهم المتحرك.. أو عكازهم.. أو جهازهم السمعي.. أليس من القسوة أن يُختبر صبرهم.. أكثر مما اختُبرت قدراتهم؟!..
إنهم لا يطلبون احتضانا عاطفيا.. ولا خطابات تضامن موسمية.. يطلبون وظيفة يستحقونها.. ومسارا مهنيا يثبتون فيه أن الإعاقة الجسدية.. لا تعني عجزا فكريا.. ولا قصورا إنتاجيا.. كثير من الوظائف اليوم.. تقوم على الفكر.. والتحليل.. والإدارة.. والتخطيط.. لا على الجهد البدني.. فبأي منطق يُقصى مَن يملك العقل والخبرة.. لأن جسده لا يشبه الصورة النمطية؟!..
لقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني مرارا.. أن هذه الفئة جزء أصيل من نسيج الوطن.. ووصفهم بأصحاب العزيمة والإرادة.. ودعا إلى تمكينهم.. ودمجهم.. وفتح أبواب العمل أمامهم في القطاعين العام والخاص.. هذا التوجيه ليس مجاملة سياسية.. بل رؤية دولة تقوم على صون الكرامة الإنسانية.. فهل نُبقي الرؤية في إطار الإشادة.. أم ننقلها إلى قرارات توظيف.. ورقابة صارمة.. وتنفيذ حقيقي؟!..
إن المسؤولية اليوم تقع على أصحاب القرار.. على مَن يملكون سلطة التعيين.. والرقابة.. والتفتيش.. أن يسألوا أنفسهم.. قبل أن يُسألوا تحت القبة ومن على الشاشات.. كم مؤسسة التزمت فعليا بنسب التشغيل.. كما ألزمها القانون؟!.. وكم موهبة ضاعت.. لأن أحدهم لم يرد أن يهيئ بيئة عمل مناسبة؟!.. وكم شهادة عليا تنتظر منذ سنوات.. لأن أحدهم اعتبر الإعاقة عبئا.. لا قيمة مضافة؟!..
العدالة لا تُقاس بسن القوانين فقط.. بل بمدى نزولها إلى الميدان.. إلى مكتب التوظيف.. إلى مقابلة العمل.. إلى قرار المدير حين يختار الكفاءة دون تردد.. هؤلاء ليسوا عبئا على الموازنة.. بل طاقة معطلة.. تنتظر مَن يثق بها.. وإن الوطن الذي يهدر طاقاته.. يهدر جزءا من مستقبله.. فتمكينهم ليس منّة تُمنح.. بل استثمار وطني في عقول مؤهلة.. قادرة على أن تضيف إلى الناتج والإبداع والإدارة.. كما يضيف أي كفاءة أخرى..
هذا الملف لن يُغلق ببيان.. ولن يُهدأ بتصريح.. سيبقى مفتوحا ما بقي بينهم صاحب شهادة ينتظر حقه.. وصاحب مهارة يبحث عن فرصة.. وقرار مؤجل.. كان يمكن أن يصنع قصة نجاح.. فإما أن ننصفهم بالفعل.. أو نعترف.. أن بين النص والتطبيق مسافة لا تليق بدولةٍ أعلنت.. أن الكرامة حق للجميع.. بلا استثناء..