facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رسالة مفتوحة حول قانون التعليم: الإصلاح لا يُقاس بالنوايا بل بالنتائج


أ. د. هاني الضمور
17-02-2026 12:10 PM

يشكّل التعليم في أي دولة ركيزة وجود لا مجرد قطاع خدمي، وأي تشريع ينظّمه لا يُقاس بما يحمله من شعارات تطويرية بقدر ما يُقاس بأثره الفعلي على المدرسة والجامعة والمعلم والطالب. ومن هذا المنطلق، يفتح مشروع تعديل قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية باباً واسعاً للنقاش المسؤول، لا من باب الرفض المسبق، بل من باب الحرص على مستقبل التعليم الأردني في لحظة تتغير فيها معايير التعليم عالمياً بوتيرة متسارعة.

لا خلاف على أن منظومة التعليم الأردنية بحاجة إلى تحديث وإصلاح، لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المشروع هو: أي نوع من الإصلاح نريد؟ فقراءة متأنية لنصوص القانون تكشف عن ميل واضح نحو توسيع الصلاحيات التنفيذية وتعزيز المركزية في إدارة التعليم، وهو توجه يثير القلق عندما يوضع في ميزان التجارب الدولية الحديثة التي أثبتت أن جودة التعليم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقلالية المؤسسية والمرونة الأكاديمية، لا بإغراق العملية التعليمية بالتعليمات والقرارات المركزية.

إن منح الوزير والوزارة صلاحيات واسعة في الترخيص، والإشراف، وإصدار التعليمات التنفيذية، قد يوفّر سرعة في اتخاذ القرار، لكنه في المقابل يضعف استقلالية المؤسسات التعليمية، ويجعل مصيرها مرهوناً بالاجتهاد الإداري أكثر من كونه محكوماً بمعايير أكاديمية مستقرة. والتعليم الذي يُدار بعقلية مركزية مفرطة يفقد قدرته على الابتكار، ويتحوّل تدريجياً إلى نظام بيروقراطي يستهلك الجهد بدل أن يحرّر الطاقات.

وتزداد هذه المخاوف مع اعتماد القانون على صيغ عامة وفضفاضة من قبيل «بمقتضى تعليمات يصدرها الوزير»، وهي صياغات قد تكون مقبولة في القضايا الإجرائية، لكنها تصبح إشكالية عندما تتكرر في قضايا تمس جوهر العملية التعليمية. فغياب الوضوح التشريعي لا يخلق مرونة صحية، بل يفتح الباب لاجتهادات متباينة، ويضعف الاستقرار القانوني الذي تحتاجه المؤسسات التعليمية للتخطيط والتطوير بعيداً عن القلق والتقلب.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز موقع المعلم بوصفه الحلقة الأضعف في فلسفة المشروع. فرغم أن القانون يتحدث عن تنمية الموارد البشرية، إلا أن المعلم لا يظهر كشريك حقيقي في الإصلاح، بل كموضوع للرقابة والتنظيم أكثر من كونه فاعلاً في صنع القرار التربوي. والتجارب العالمية الناجحة تؤكد أن أي إصلاح تعليمي لا يبدأ من تمكين المعلم مهنياً ومعنوياً، محكوم عليه بالتعثر مهما كانت نصوصه متقدمة.

كما يلفت المشروع الانتباه إلى تركيزه الواضح على ربط التعليم بسوق العمل، وهو توجه مفهوم في ظل التحديات الاقتصادية، لكنه يصبح مقلقاً حين يطغى على البعد التربوي والإنساني للتعليم. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد أدوات لإنتاج مهارات وظيفية، بل فضاء لبناء الشخصية الوطنية، وتعزيز القيم، وتنمية التفكير النقدي، وإعداد المواطن القادر على المشاركة الواعية في مجتمعه. وعندما يُختزل التعليم في بعده الاقتصادي فقط، فإن رسالته الثقافية والوطنية تصبح مهددة.

ولا يمكن تجاهل ما يحمله المشروع من مخاوف تتعلق بالعدالة التعليمية. فالتوسع في التعليم الخاص والبرامج الخاصة، في ظل رقابة مرنة وضمانات محدودة لتكافؤ الفرص، قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين التعليم الحكومي والخاص، ويجعل جودة التعليم مرتبطة بالقدرة المادية للأسر. وهذا المسار، كما أثبتت تجارب دول عديدة، لا يهدد التعليم فقط، بل يهدد التماسك الاجتماعي على المدى البعيد.

إن القلق الحقيقي من هذا المشروع لا يكمن في مادة بعينها، بل في الفلسفة العامة التي تحكمه. فلسفة تميل إلى إدارة التعليم كملف تنظيمي أكثر من كونه مشروعاً وطنياً طويل الأمد، وتتعامل مع المدرسة والجامعة كجهات تنفيذ لا كمساحات تفكير وإبداع. وإذا ما طُبّق القانون بصيغته الحالية، فإن آثاره السلبية قد تمتد إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات التعليمية، وتراجع دور المعلم، وتعميق الفجوات التعليمية، وإضعاف الهوية التربوية الوطنية لصالح منطق السوق والإدارة.

إن إصلاح التعليم لا يتحقق بتوسيع الصلاحيات ولا بكثرة التعليمات، بل بحوار وطني حقيقي تشارك فيه جميع الأطراف المعنية، وبقانون يعكس توازناً دقيقاً بين التنظيم والحرية، وبين متطلبات التنمية الاقتصادية ورسالة التعليم الإنسانية والوطنية. ومن هنا، فإن إعادة النظر في مشروع القانون ليست ترفاً تشريعياً، بل مسؤولية وطنية تجاه أجيال لم تدخل مقاعد الدراسة بعد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :