الملكة رانيا العبدالله .. التـواضع طريقنا لتـوجيه التقدم
أحمد الحوراني
17-02-2026 07:33 PM
الكلمة الاستثنائية التي ألقتها جلالة الملكة رانيا العبدالله مؤخرًا في قمة الأعمال العالمية بالهند، واستخلاص المعاني المثقلة بالدلالات التي أوردتها جلالتها يحتاج إلى جهد مستفيض من البحث والتحليل لا سيما إذا ما أعدنا قراءة الكلمة وأمعنا في الكثير من مفاصلها والتي أشرت في مضامينها إلى إجابات على سؤال غاية في الأهمية عندما طرحت سؤالها وقالت كيف نوجه التقدم؟ فأجابت (أقول: بالتواضع)، ولعل هذه الصفة هي التي تبدو لنا أننا وفي ظل عالم يموج بالأخطار والتحديات والفهم الخاطئ للأشياء، قد بتنا بأمس الحاجة لها اليوم أكثر من أي وقت مضى لكونها الأساس المتين لبناء الجسور، بدلا من بناء الأسوار، وإحلال التفاهم والسلام مكان الصراعات في العالم ولأجل بناء مستقبل ينتهي فيه الظلم والحرمان، ويزول معه الاحتلال، ويعود كل لاجئ إلى وطنه، ويتجدد الأمل عند الشباب، وتنطلق التنمية في كل مجالاتها، وخاصة في منطقتنا (الشرق أوسطية) التي لم تعرف الاستقرار منذ عقود.
تؤشر الملكة رانيا في كلمتها إلى أكثر من حقيقة، وتوجّه العديد من الأسئلة الاستراتيجية المحورية التي فرضها الإيقاع الجديد للحياة المتسارعة، ونجدها في الوقت نفسه توضح معالم الطريق بإجابات مُحكمة نحو آليات وطرق التعامل معها الأمر الذي يجب التعاطي معه بواقعية وعقلانية متناهية، ويتوقف المتتبع لحديث جلالتها عند رؤيتها الشمولية وتوقفها على جملة من الأفكار الخلّاقة التي تقدمها وصفة سلام ومحبة تنير فيها الدرب نحو التفاهم والأمل الذي ينشده ويحتاجه عالمنا اليوم، وكما ترى جلالتها فإن ذلك لا يتأتى ذلك إلا بتضافر جهودنا الذي هو السبيل الوحيد الذي سيمكن الإنسانية من التصدي للتحديات الخطيرة التي تواجهنا الآن، وفي مقدمتها الوصول إلى حلول للأزمات العالمية، والمحافظة على بيئة كوكبنا، وضمان أن يكون لكل واحد منا، خاصة شبابنا، نصيب من الفرص والأمل.
مواجهة ذلك كله وبحسب منظور جلالتها لا يكون إلا بالتواضع، باعتباره الطريق الذي يتيح لنا الاعتراف بإمكانية الخطأ، ويجبرنا على اختبار افتراضاتنا، ومن هنا جاء قول جلالتها (أراه قيمة أساسية للقيادة في عالم اليوم، ليس كتردد أو شك بالنفس، بل كصدق بشأن الحدود التي تُقيدنا، إضافة إلى أنه يشجع على التفكير العميق… والاستعداد للتعامل مع التعقيد… والانضباط)، ولعلي أفهم حديث جلالتها عن التواضع باعتباره منهج حياة يقود إلى الانفتاح على وجهات نظر الآخرين وتقبل الرأي والرأي الآخر، وهنا نقرأ عمق قول جلالتها (تلك هي قوة عقلية التواضع: فهي تعيد إلينا إحساسنا بالزمن. وتضع التقدم المستدام قبل المكاسب السريعة. وتساعد القادة على التمهل بما يكفي لتجاوز التفكير في الربع المالي المقبل أو الانتخابات القادمة، والتفكير في الأسس التي يضعونها للمستقبل).
تتحدث الملكة رانيا أمام المئات من الحضور في كلمة شاملة وجامعة لمعانٍ يجب التوقف عليها وإعادة شرحها وتفسيرها كيف لا وأبرز ما فيها دعوة الملكة إلى وقفة تأمل صادقة، ومن غير ريب فإن دعوة جلالتها إلى التواضع كقيمة تمنح الإنسان مزيدًا من الثقة والواقعية، وأنها سوف تساهم في نشر السلام والقيم الأخلاقية المشتركة، فالاحترام المتبادل هو الأساس الحقيقي للشراكة، ونحن بحاجة إلى أن ندرك أهمية ترابطنا.